أذان

 

تبدو حكاية ولادة الأذان مثيرةً للاهتمام رغم اشتهارها، فمع قدم فرض الصلاة في تاريخ الإسلام، إلا أنّ الأذان لم يُشرع إلا عقب انتقال النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة.

كان الناس يجتمعون هكذا في المسجد عندما يحين وقت الصلاة، في عالم اندمج أهله مع ما حولهم من الكائنات التي يلتمسون في حركاتها دليلًا على دوران الزمن، فالنور وظلّه مثّلا عقارب ساعة كبيرة يعيش الناس في أرجاءها. 

غير أنّ شيئًا ظلّ يعتمل هناك في جوف النبي صلى الله عليه وسلم، دفعه إلى مشاورة أصحابه لابتكار طريقة يُنادى الناسُ بها للصلاة، يقترح واحد أن تُنصب راية يراها الناس إذا حان وقت الصلاة، لكن لا يعجب ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فيشير الثاني إلى البوق والثالث إلى الناقوس، فيقول رسول الإسلام صلوات الله وسلامه عليه: هو من أمر اليهود .. هو من أمر النصارى، ينصرف الناس بلا نتيجة محددة. غير أنّ صحابيًا من الأنصار، كان قد حضر بيعة العقبة الثانية، ذهب إلى بيته وهو مهمومٌ من همّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعتمل في نفسه دويّ همّ حبيبه المصطفى عليه الصلاة والسلام، فبينما عبدالله بن زيد الأنصاري في حيرةٍ من أمره، بين يقظته ونومه، إذ يرى رجلًا يرتدي ثوبين أخضرين، يلفت الصحابيّ همّه إلى ناقوس في يد ذلك الرجل فيقول: يا عبدالله .. أتبيع هذا الناقوس؟

Müezzin

قال: وما تصنع به؟

قال: ندعو به إلى الصلاة.

قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟

قال: وما هو؟ .. فعلّمه الأذان!

فأتى عبدالله بن زيد رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما رأى، فيفرح! ويلفت إلى أصحابه متهلل الوجه يقول: ((إن صاحبكم قد رأى رؤيا، فاخرج مع بلال إلى المسجد فألقها عليه، وليناد بلالٌ؛ فإنه أندى صوتاً منك)). فبينما بلال يجهر بكلمات الأذان بعد سماعها من ابن زيد، إذا يسمعها رجلٌ مُلهَم، عمر! رضي الله عنه .. فيخرج إلى صاحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم يجرّ إزاره، يقول له: والذي بعثك بالحق! لقد رأيت مثل الذي قال. فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فلله الحمد)).

 

360px-Bilal

لم يك إذن مجرّد نداء له ما يشابهه في الديانات الأخرى، كان علامةً على الصلاة، أو علامةً على الإسلام عندما ندقق أكثر. فالبوق والناقوس لم يعجبا رسول الله صلى الله عليه وسلم لمجرّد ذوق شخصي، أو خلل فني، بل كانت هذه الآلات من أمر اليهود والنصارى، وكان يبحث عن شيء يكون من أمر الإسلام. كان وما زال علامةً على الإسلام إذن، ولو دققنا أكثر لوجدناه أشبه ما يكون بقطع الإسلام الأخرى، تلك التي تمثّل “الكلمة” جوهرتها الأساسية المميزة لها عن غيرها. ففي الوقت الذي كانت “التماثيل” تتهاوى قطعها في أفياء مكة، كان بلال يصدح بـ”كلمة” الأذان من فوق الكعبة.

انتقل الأذان إلى آذان الناس من أفواه المؤذنين، من جوار المساجد أول الأمر ربما، إلى أسطحها، مآذنها لاحقًا، وعبر مكبّرات الجوامع والمصليات والزوايات، حتى سمّاعات المذياع والتلفاز، وصولًا إلى الساعات الرقمية وتطبيقات الجوّال والحاسوب ومختلف الأجهزة الذكية بشكل عام. وسمعه الناس في البيوت، والأسواق، والملاعب، والحارات، والمنتديات، والمعارض، والمطارات، والحدائق، والمعتقلات، والطائرات، وعلى ظهر الباخرة وفي جوفها، وعلى مدار الكرة الأرضية، في مختلف طقوسها وتضاريسها. يأخذ هذا الأذان من حلّة كل بلد فيرتديها، أو تتحلى هي به إذا رمنا الحقيقة، فيكون الأذان مكيًا، ومدنيًا، ونجديًا، ويمنيًا، وشاميًا، وعراقيًا، ومصريًا من ألف مئذنة في القاهرة، ومغاربيًا من ألف مدينة 

flat,1000x1000,075,f.u2

وقرية وبادية، ومن سيف البحر على الخليج، إلى شواطئ الحبر الأحمر من ضفتيه، ويخرج هنديًا فارسيًا صينيًا تركيًا أوروبيًا أمريكيًا خاشعًا تتلوّى به ألسنة الأعاجم بحروفه وكلماته، فيشعّ في الأرجاء نورٌ ما زال ينساب عبر الأثير من المرّة الأولى التي صدح بها بلال بعد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان الأذان وما زال منسجمًا مع كل هذه الأعراق واللغات واللهجات والمقامات الصوتية. يرفع المؤذنون في أثناءه أيديهم إلى آذانهم، كأنها إشارة دخول إلى مهمة من نوع خاص، يمدّون حبالهم الصوتية به إلى أقصى قدراتها، يتبارون .. أيهم أطول الناس أعناقًا يوم القيامة؟

  كان الأذان منذ البداية هناك في آذان الأطفال فور ولادتهم، إلى عتبة الحياة الأخيرة، وما بين ذلك يشعر به طفلٌ يلعب فيتوقف وهو يحسّ بمغزاه، أو تضجّ به حنجرة شيخ لم يفق بعد من أثر مخدّر العملية. كان الأذان هناك في أدقّ لحظات الناس خطرًا، وفي أشد دروبها انعطافًا. كان بكلماته، وانثياله مرتّلًا، ودعوته 

jean_leon_gerome_88_the_muezzin

إلى الصلاة، مؤثرًا في نفوس الناس، من ألينها إلى أشرسها في عداوة الإسلام.

في عالم مُتعِبٍ، ومُتعَبٍ نحيا اليوم فيه، تنفرج نوافذ السيرة عن أيقونة دائمًا ما تستدعى عند البحث عن وسائد راحة الروح في عالم اليوم، كانت علاقةً فريدةً تلك التي تجمع بين طلب النبي عليه الصلاة والسلام لراحة قلبه، وطمأنينة نفسه، وبين الصلاة، عندما كان ينادي في المنادي الأول: ((يا بلال .. أقم الصلاة، أرحنا بها)).

كان الأذان .. كانت الطمأنينة.

خمسون حلقة؟

WhatsApp Image 2018-02-03 at 5.49.20 PM

لم يدر بخلدي عندما وافقت على تقديم برنامج الخزانة، أني سأصل إلى تقديم الحلقة رقم خمسين في مسيرتي معه، وهي الحلقة رقم 72 منذ انطلاقة البرنامج.

كنتُ مستلقيًا على سريري حينها، أمارس الانتظار أثناء بطالة خانقة أعقبت وظيفة أولى استمرت ثلاثة أشهر فقط، تلقيتُ اتصالًا من الصديق العزيز محمد المرحبي الذي كان يعملُ مصورًا بقناة زاد، يسألني مباشرة بعد السلام: تبغى تقدم برنامج؟ وافقتُ فورًا، وحولني بعدها إلى مدير البرامج بقناة زاد، الذي أخبرني بتفاصيل البرنامج، برنامج الخزانة مع الدكتور عبدالله بن سالم البطاطي، الذي يملك واحدةً من أكبر المكتبات الشخصية، ويستعرض في برنامجه جديد الإصدارات في عالم الكتب الشرعية 

WhatsApp Image 2018-02-03 at 5.49.19 PM

والتراثية.

كانت المعلومة المفاجأة أن البرنامج مباشر! وأنه لا وقت لدي لزيارة الاستديو قبل الحلقة الأولى التي سأقدمها، وتجربة الجلوس أمام أربع كاميرات وبضع إضاءات موجهةٍ نحو وجهي، معلقًا في أذني اليسرى سمّاعةً صغيرةً أتلقى من خلالها توجيهات المخرج، ومنصتًا باليمنى لحديث الدكتور عبدالله حتى أضمن الحدّ الأدنى من التفاعل. أقدّم برنامجًا تلفزيونيًا لأوّل مرّة، يُذاع مباشرةً من غير تسجيل، بلا سابق تجربة أو تدريب على الإطلاق .. يا حلاوة!

لكن من زاويةٍ أخرى كان للتجربة تسهيلاتها، فالبرنامج من إعداد الدكتور عبدالله البطاطي بالكامل، تقتصر مهمتي على افتتاح الحلقة واختتامها، والتفاعل مع الضيف الدائم وتنبيهه إلى تفاصيل قد لا يفهمها المشاهد، بالإضافة إلى كتابة السؤال التفاعلي كل حلقة وتلقي مداخلات الضيوف والمستمعين. كما أن طاقم البرنامج كان على درجة عالية من التعاون الشخصي، وسرعة معالجة عثراتي أثناء التقديم، والصبر على تكرار الأخطاء والتنبيه المستمر عليها. بالإضافة إلى نوع البرنامج الموجه إلى قطاع محدد من المشاهدين، في قناة لها ذيوع في أوساط محصورة.

WhatsApp Image 2018-02-03 at 5.49.20 PM (1)كنتُ راضيًا عن أداءي في الحلقة الأولى، رغمًا عن أخطاء في تلقي المداخلات وإنهاءها واختتام الحلقة، كان هذا الرضا بمثابة المخدّر الذاتي المانع من التقويم والتحسين، توقفت عن مشاهدة الحلقات على اليوتيوب بعد بثّها، وأصبحت أتحسس من توجيهات طاقم العمل، أحضرُ إلى الاستديو قبل البث بدقائق قليلة، وهكذا وصلتُ إلى الحلقة رقم 50 على ما يبدو!

عندما لاحت لي قبل أسابيع فرصة تقديم برنامج جديد ملاءم، وافقتُ فورًا مرةً أخرى، أرجو أن يكون هذا البرنامج دافعًا لتحسين مهارات التقديم التلفزيوني (يومًا ما سأحدثكم عن التطوير بالتوريط!)، سجلتُ في دورةٍ مخصصةٍ للتقديم التلفزيوني سلخت قيمتها نصف مرتبي، وعدتُ لمشاهدة حلقات برنامج الخزانة التي قدمتها، مسجلًا ملاحظاتي الشخصية لتقويم الأداء وتطويره.

حسنًا .. فقدتُ مهارة إنهاء التدوينات على ما يبدو 🙂

أحتاج لدورة!

 

ليلة بكاء الطفلة – عبدالوهاب المسيري

“ولكن التشققات زادت والتناقضات احتدمت بمرور الأيام، حتى وصلت إلى نقطة تحول فيها التناقض إلى تطاحن. وقد حدثت الهزة القوية الثانية حينما رزقني الله ابنتي نور. كانت لحظة ولادتها لحظة فارقة في حياتي، إذ وجدت نفسي أنا العقلاني المادي وجهًا لوجه مع معجزة جعلتني أغرق في التأمل؛ طفلة تولد وبعد ولادتها بلحظات تنظر بعينيها الواسعتين حولها، ثم ترتبط بأمها على الفور بطريقة لا أفهم كنهها؛ أمها -زميلتي في الجامعة والتي كنت أذهب معها إلى السينما والرحلات مع شلتنا أو بمفردنا- تتحول بين يوم وليلة إلى أم تطعم الصغيرة بثديها وترتبط بابنتها ارتباطًا جنونيًا لم أر مثله. وتبدأ تتحدث بلغة جديدة تمامًا علي؛ زميلتي وزوجتي أصبحت أمًا ودخلت عالمًا جديدًا أقف أنا على أطرافه دهشًا. في بداية الأمر أصبت بالغثيان، وأحسست بالهجران؛ كبف يمكن لزميلة الدراسة أن تتحول بهذا الشكل وتتركني وحيدًا؟
وتتدريجيًا تجاوزت هذا الإحساس، وبدأت أتأمل في هذا الكائن الجديد الذي دخل حياتي: هل يمكن أن يكون كل هذا نتيجة تفاعلات كيمياوية وإنزيمات وغدد وعضلات؟ هل هذا الكل الإنساني هو جماع أعضائه المادية وثمرة المصادفة، أو أن هناك شيئًا ما يجاوز السطح المادي؟ هل الإنسان فعلًا جزء من الطبيعة، لا يفصله فاصل عنها، خاضع لقوانينها وأهوائها (كما يقول المنهج المادي الصارم)، أو أن فيه أسرارًا وأغوارًا؟ وفوجئت بأنني، برغم شكوكي الفلسفية وتصوراتي المادية، أكتب قصيدة تحاول استكناه هذا الحدث من خلال صورة شعرية دينية، إذ إن الصور المادية لم تعد كافية، فقد أصبحت ظاهرة الإنسان بالنسبة لي ظاهرة غير مادية غير طبيعية، معجزة بكل المعايير المعروفة لدي. وهكذا ظهر الإنسان الإنسان، (أو الإنسان الرباني فيما بعد)!
” وبينما محمد في غاره حزين
يا لجة الضياء قد أرجفت قلبه
وبينما دماؤه تبلل الصليب
أقبلت بالعزاء للمسيح فانتصر
في الغابة الندية اللجيري قاعد
فطار كي يعانق الشموس والقمر
يا إصبع الإله قد أقلقت مضجعي
أولدتها حواء ثم مريما”.

وتوالت الأحداث التي كان من الصعب استيعابها داخل النموذج المادي المهيمن. ثمة ليلة في حياتي لن أنساها أبدًا أسميها (ليلة بكاء الطفلة)، إذ استيقظت نور ابنتنا وهي لم تكمل عامين بعد وأخذت تبكي بصوت عال دونما سبب واضح. كان لبكائها تلك الليلة رنين خاص لم ندر كنهه: مزيج من الفزع والحزن. حملتها أمها على كتفها وحاولت أن تهدئ من روعها. فسكتت، ولكن كلما اقتربت منها أجدها تصرخ بأعلى صوتها، فكان علي أن أختفي عن ناظريها وظلت أمها معها إلى أن نامت. لا ندري حتى الآن سر بكاء الطفلة، ولكني أذكر هذه القصة لندرك ما في داخلنا من أسرار ومدى احتياجنا للأم، إذ كيف يمكن للموظف (المختص) مهما بلغ من تخصص أن يفهم لغة الطفل ويدرك منحناه الخاص، أفراحه وأحزانه؟

وبعد أن أنجبنا نور، فوجئت بأن زوجتي قررت ألا تستمر في دراستها العليا (برغم اتفاقنا على ذلك من قبل) وأخبرتني بأنها لا تريد أن تحرم ابنتها من حق الاستيقاظ ومن حق ممارسة كل وظائفها البيولوجية بما يتفق مع إيقاعاتها الجسدية ويريحها عصبيًا. فزعت من نفسي ساعتها لأنني لم أفكر في هذا، ولم أفكر إلا في الإنجاز (المادي) والأداء في رقعة الحياة العامة ومساواة الرجل والمرأة ونسيت الطفلة وحقوقها تمامًا وفزعي من نفسي هذا جعل المزيد من الاقتناعات والنماذج التفسيرية التي تتحكم في عقلي ووجداني، تهتز وأعيد النظر فيها.

وحينما رزقنا الله ابننا ياسر كنا قد تصورنا، أنا وزوجتي، أننا تدربنا على تنشئة الأطفال، وإذ به مختلف تمامًا عن أخته، وتطلبت تنشئته مهارات أخرى. فابنتنا نور تحب التجريب ولا تخشاه برغم إصرارها على المعايير الجمالية الدقيقة، التي أسمها أرستقراطية. أما أرستقراطية ياسر الجمالية فهي تنحو منحى آخر، فهو يكره التجريب.
لاحظت أنه ظل يشاهد فيلم (كاجماوشا، محارب الظل) للمخرج الياباني أكيرا كوروساوا، المرة تلو الأخرى، حتى حفظه تمامًا تقريبًا. فطلبت منه أن يجرب فيلمًا آخر، فكان رده: “إن وصلت إلى الأعالي، فلماذا تهبط منها؟”. وبينما تتميز نور بمقدراتها اللغوية، فإن ياسرًا كان يعيش في عالم الأرقام، فكان لا يكف عن سؤال أسئلة غريبة تتطلب معرفة وثيقة بالرياضة. سألني مرة وهو بعد صبي: إن كان هناك حوت وزنه كذا وضرب بذيله سفينة وزنها كذا فهل ستغرق أم لا؟ كنا نضحك من رغبته العارمة في هذا الاهتمام المجرد بالأرقام والعلاقات الرياضية، ولذا كنا نسميه ” الكونت دراكيولا” وكلمة count الإنجليزية تعني (كونت) ولكنها تعني أيضًا (يحسب أو يعد). ونتيجة للاختلاف بين الابنة والابن ترسخ اعتقادي بالإنسان المعجزة الذي يجاوز الحتميات الطبيعية (في هذه الحال العوامل الوراثية والبيئية). كما بدأت أدرك أهمية الأسرة في عملية التنشئة، إذ لا يمكن لمؤسسة عامة (مهما بلغت درجة كفاءتها) أن تفي بالاحتياجات النفسية للطفل، والتي تختلف من طفل لآخر”.

عبدالوهاب المسيري، رحلتي الفكرية.