عبدالله العجيري: يجب أن تشكل الفطرة الأصل الضخم الذي ننطلق منه في تقرير مسألة الوجود الإلهي

Ab3gjeoC

عبدالله العجيري: في النهاية إذا ضحى الإنسان بالمعطى الفطري، فإنه سيضحي بكل شيء.

 

عندما فكرت في البدء بمجموعة من الحوارات مع المؤلفين، طرحت تصوري لمجموعة من الأصدقاء، ووجدت منهم دعمًا وتشجيعًا وترحيبًا بالفكرة. إلا أن أحد أصدقائي القدامى (من شلة تلة العشاق)، قال لي: “بالله يا حسان، من سيقبل أن يُجرى معه حوار من شخص لم يدرس الصحافة، ولم يسبق له  إجراء أي حوار صحفي، ولم يشارك في الإعداد لأي شيء مماثل، ولا يعمل في صحيفة أو إذاعة أو قناة، ولا يدري أين سينشر هذا اللقاء، وبالتالي سيكون اللقاء بلا أي ضمانات!”. خرجت من عند صديقي هذا، وأعددت قائمة ممن قد يقبل بإجراء حوار وفق المواصفات السابقة، ووقع اختياري فورًا على الشيخ عبدالله العجيري. وكان سبب اختياري هو ذلك التواضع الأخاذ، غير المتصنع، الذي يتسم به. وتلك الروح المبادرة المتطوعة التي يتحلى بها. وذلك الخلق الدمث الذي يحمله. وقد لا يصدق القارئ الكريم، أن مدة الاتصال الهاتفي التي استغرقتها لعرض الفكرة عليه لم تتجاوز الدقيقة! وهذا كله مع المستوى العلمي المدهش، الذي يلاحظه أي مطلع على أطروحاته، فجزاه الله خيرًا، وبارك في جهوده. أحب أن أشكر الأستاذ والصديق الكريم: عبدالله الوهيبي، على اقتراحاته التي أثرت أسئلة الحوار. وأشكر أيضًا الرفيق عبدالرحمن ربعين على تبرعه بمراجعة وتدقيق نص الحوار، في نسختين متتاليتين، رغم ضيق وقته وانشغالاته، والآن أترككم مع نص الحوار:

  • حدثنا عن ظروف تأليف كتاب مليشيا الإلحاد.

شرحتُ شيئاً من هذه الملابسات في أول هذا الكتاب، حيث كنت في زيارة لمدينة واترلوا بكندا سنة 2006، وصادف وجود مؤتمر لحوار الأديان في تلك المدة، فقادني الفضول للذهاب إلى المؤتمر، لاستكشاف ما يدور في أروقة وقاعات تلك الملتقيات. حين

21533184

كتاب مليشيا الإلحاد لضيف اللقاء.

دخلنا القاعة الرئيسية وجدت منصة طويلة برز عليها جمع من ممثلي أصحاب الديانات، نصراني ويهودي ومسلم وسيخي وهندوسي، وحتى بعض ممثلي الديانات الوثنية المحلية. كانت المفاجأة حين عرف أحدهم نفسه بقوله “I am atheist” أي أنا ملحد، وكانت هذه الكلمة Atheist مفردة لا تنتمي لمعجمي اللغوي الخاص، حينها أخرجت قاموساً إلكترونياً لاستكشاف معنى هذه الكلمة وترجمتها، ظهرت لي كلمة “ملحد”! لا أخفيك أني صدمت لحظتها، وأحسب أنها كانت المرة الأولى التي وردت على ذهني مشكلة الإلحاد. خرجت من تلك القاعة لأدخل إلى معرض مصاحب للمؤتمر، حيث وجدت عدداً من الأجنحة يتم من خلالها عرض ما يتعلق بأصحاب تلك الديانات من مطويات وكتب ومواد مرئية وغيرها، فقصدت أول ما قصدت الركن الخاص بالملاحدة، واقتنيت عدداً من الكتب المثيرة، ككتاب “استحالة الإله” و”نهاية الإيمان في الإيمان” وغيرها. وتزامن في تلك المدة خروج الكتاب الجدلي الشهير “وهم الإله” لداعية الإلحاد الأبرز “ريتشارد دوكنز”، ومن حينها بدأت مسألة الإلحاد تدخل في نطاق اهتماماتي العقدية والعلمية الخاصة. وبدأ يتطور هذا الاهتمام شيئاً فشيئاً عن طريق متابعة هذا الملف من خلال الإنترنت، ثم تواصلت مع بعض العلماء وطلبة العلم والدعاة حول هذه القضية موضحاً بأن هنا موجة إلحادية جديدة بدأت تضرب المجتمعات الغربية، وأن أمارات بدأت تلوح بأن هذه الموجة قد تضرب مجتمعاتنا الإسلامية المعاصرة في مستقبل الأيام. وقد التقيت في جلسات متعددة ومتناثرة مع مجموعات شبابية من المتأثرين

41LMUsSTaNL._SY344_BO1,204,203,200_

كتاب وهم الإله لريتشارد دوكنز.

بالخطاب الإلحادي داخل الإطار المحلي السعودي، والتي كشفت لي شيئاً من طبيعة التشكلات الإلحادية المحلية ومسبباتها وغير ذلك. وحين حصلت حادثة حمزة كشغري، وما تبعه من تداعيات كالحديث عن مقاهي

جسور وخلايا الإلحاد وغيرها، وبدأ الجدل حول الملف الإلحادي يطفو على السطح، وكثر الحديث عن مدى حضور هذه الإشكالية في المشهد المحلي السعودي، أخذتُ في الظهور لمعالجة بعض ملفات هذا الموضوع من خلال محاضرات قليلة، والتي تطورت إلى دورة علمية حظيت فيها بشرف المشاركة مع الصديقين الدكتور خالد الدريس والأستاذ عبدالله الشهري، وحين اطلع بعض الزملاء والأحبة على تلك المواد مرئية اقترح تحويلها إلى مادة كتابية، فكانت تلك لحظة ولادة الكتاب بطلب توثيق المادة العلمية للدورة.

 

 

1333

  • غالب رموز تيار الإلحاد الجديد بدأ نشاطهم عقب أحداث 11 سبتمبر، ما الذي يجعل لها هذه المكانة؟ وما طبيعة العلاقة بين أحداث العنف وتيار الإلحاد الجديد؟

أحد السمات التي تتميز بها الظاهرة الإلحادية الجديدة، استخدام حوادث الإرهاب كذريعة لمقاومة التيارات الدينية. فبعد أن كان سؤال: فلنتخيل عالماً بلا دين -والذي يمثل أحد الأسئلة الكلاسيكية في الجدل الديني الإلحادي- يمثل حرجاً للموقف الإلحادي، وذلك أنه في ظل ترك الإيمان بالله واليوم الآخر وغير ذلك من مظاهر الإيمان، ما الذي سيولد عند البشر حالة الانضباط الأخلاقي؟ حتى قال بعض الفلاسفة لو لم يكن الله موجوداً للزمنا أن نخلقه، أو بتعبير بعضهم الآخر أن الأنبياء كذبوا لمصلحة الخلق، بمعنى أن الرؤية الإلحادية تمثل كارثة أخلاقية وأن الموقف الديني يمثل ضرورة أخلاقية لا تتحقق المصلحة البشرية إلا في ظله، مع التحفظ طبعاً على تلك الإطلاقات الفلسفية لكنها معبرة عن قوة الموقف الديني في المجال الأخلاقي في مقابل هشاشة الموقف الإلحادي. الذي حصل أنه مع تزايد أعمال العنف اتخذها الملاحدة أداة لتشويه الموقف الديني عموماً، وصاروا يستعملون ذات السؤال السابق في محاولة لقلب الطاولة على الخطاب الديني. فيقولون: نعم، فلنتخيل عالمًا بلا دين؛ لن يكون لدينا حروباً صليبية، ولا صراع عربي إسرائيلي، ولا تطهير عرقي في البوسنة وكوسوفا، ولا أزمة هندوس ومسلمين في الهند، ولا تنظيم القاعدة ولا 11سبتمبر، ولا داعش وهكذا. بطبيعة الحال، يتضمن هذا العرض مغالطات وتسطيحاً للمشكلة، وقد تم تقديم معالجات متعددة لهذا السؤال من آخرها كتاب كاثرين أرمسترونغ ((حقول الدم)) وقد تم ترجمته مؤخراً. وذكرت في كتابي ميليشيا الإلحاد مناقشة سريعة لهذه المسألة. ثم إن هذا الطرح لا يعالج الموقف الإلحادي في ذات القضية، وهذا أمر يحسن ملاحظته في جملة واسعة من الأطروحات الإلحادية، فهو تيار هدمي يسعى لهدم التيارات الدينية دون أن يقدم رؤيته الذاتية حيال كثير من الملفات، وقد أعجبني أحد الملاحدة

51glPbz0s7L._SY344_BO1,204,203,200_

كتاب حقول الدم لكارين ارمسترونج.

والذي بين مشكلة الخطاب الإلحادي هنا حيث قال في معنى كلامه: “لقد بشرنا الطرف المقابل – وكان الكلام في سياق مناظرة في جامعة كامبرج- بأننا لو تخلصنا من الدين فسنعيش حياة هانئة، هل أنت متأكد فعلاً، هل انت متأكد فعلاً بأنك إن استطعت أن تقنع جيلاً أو جيلين من البشر بأنهم يعيشون حياة لا معنى لها، في كون لا معنى له، ووجود لا معنى له أننا سنعيش تلك الحياة الهانئة”.والجواب بطبيعة الحال واضح، بل واضح جداً.

أما بالنسبة لــ11 سبتمبر وأثره على الاتجاه الإلحادي، فالحدث باختصار مثل حالة استفزاز أخلاقية، إذ صرح كثير من الملاحدة بأنه لا يسعهم أخلاقيًا الوقوف على الحياد من الدين، وأن ترك الأمر يسير على هذا النحو سيمثل كارثة بشرية. وكان الخط الإلحادي إجمالاً يقف على خط الحياد من الموقف الديني، وهو موقف متفهم في ظل الفلسفة الإلحادية التي لا تؤمن بإله ولا آخره، فما الموجب لأن يضيع الملحد شيئاً من عمره أو ماله للدعوة والتبشير بموقفه الإلحادي أو مناكفة التيارات الدينية، ولسان حاله يقول: ما لم يكسر لي المتدين رجلاً أو يأخذ مني مالاً؛ فهو وشأنه يؤمن بإله بجنة ونار بحياة أخروية فهو شأنه وحسب. ولكن مع لحظة ارتطام الطائرتين ببرج التجارة العالمي انقلب هذا الموقف الحيادي لدى كثير من الملاحدة رأساً على عقب، ورأوا ضرورة اتخاذ موقف

41HY2K2756L

كتاب نهاية الإيمان لسام هارس.

ما، وأن سكوتهم قد يدفع بالبشرية إلى مصير مظلم ومجهول. طبعاً هذا الموقف، وإن بدت بواعثه أخلاقية، إلا أن تأسيسه في ضوء الرؤية الإلحادية، والتي تعتقد أن الكون بما فيه هو نتيجة الصدفة، وأنه لا قيمة موضوعية حقيقية لشيء فيه=لا يبدو متماسكاً، وهذه مسألة جديرة بالمناقشة ولكن يصعب الاستطراد في معالجتها هنا. من الأشياء الطريفة أن هذا الربط بين ملف11 سبتمبر وملف الإلحاد ظنه البعض من الإيغال في نظرية المؤامرة، وأن صاحبه مصاب بهذه العقدة، وهو اتهام غير صحيح، فلم تكن المسألة خاضعة لمجرد التحليل والربط بين اتجاه الخط الإلحادي قبل واتجاهه بعد هذا الحدث، بل شواهده مصرح بها من قبل الملاحدة أنفسهم خصوصاً شخصياته ورموزه المركزية المشكلة للظاهرة الإلحادية الجديدة، فسام هارس مثلاً مؤلف كتاب “نهاية الإيمان” والذي يمثل أو الأدبيات المركزية للظاهرة الإلحادية الجديدة، يصرح بأنه قبل الحادثة لم يكن يعير الموقف الديني بالاً وأن 11سبتمبر قلبت موقفه رأسًا على عقب. بل صرح في ذات الكتاب بأنه شرع في تأليفه يوم 12 سبتمبر 2001، أي في اليوم التالي مباشرة للحدث! وريتشارد دوكنز له تصريحات متعددة ذكرت أحدها في الكتاب وهي قوله: “كثيرون يسألونني ما الذي غير فيك 11 سبتمبر ولأولئك أقول دعوا عنكم هذا الاحترام المقيت للأديان”، وهكذا الأمر مع كريستوفر هيتشنز أو دانييل دينيت أو غيرهم الكثير، فكل شخصية حاضرة في الأفق الإلحادي الجديد تتحدث بكل صراحة وأريحية عن أثر 11 سبتمبر عليه شخصياً وكيف شحنت موقفه الإلحادي بموقف شديد العدائية للخطابات الدينية.

 

  • ذكرت في الكتاب أن هناك اهتمامًا من رموز الملاحدة الجدد بالشأن الداخلي السعودي، هل هناك أثرٌ حقًا لهذا التيار على المشهد المحلي؟

هناك مؤشرات متعددة لهذا الاهتمام ولذلكم الأثر. فمثلاً ليس من قبيل الصدفة أن تحصل حالة تمدد لهذه الإشكالية في المشهد العربي أو حتى المحلي السعودي، عقب تمدد نفس الحالة في المجتمعات الغربية. فهناك نوع من أنواع الارتباط العضوي بين الظاهرة المتشكلة هنا والمتشكلة هناك. والذي يؤكد هذا الانطباع، أنني من خلال جلساتي مع عدد من الشباب المتأثرين بهذه الظاهرة، وجدت حضورًا لأسماء رموز تيار الإلحاد الجديد في الوعي الشبابي المحلي. فهم يعرفون من هو ريتشارد دوكنز، ويعرفون من هو سام هارس، وكريستوفر هيتشنز ودانيل دينيت وعدداً من الرموز الإلحادية الجديدة، بعضهم مثلًا اطلع على كتاب “وهم الإله” لدوكنز. تتفاقم المشكلة أكثر وأكثر عندما ندرك أن كثيرًا من الأدبيات الإلحادية، ونصوص كبار الملاحدة، إضافة لمواد مرئية على شكل مناظرات وأفلام وثائقية وغيرها كلها مترجمة إلى اللغة العربية، وبالتالي صارت حالة الوعي الشبابي المحلي حيال الظاهرة الالحادية في متناول اليد، بعد ذوبان المعوق اللغوي الذي قد يمنع كثيرًا من الشباب عن الاطلاع على بعض الأدبيات المتعلقة بالظاهرة. فهذا بعض مؤشرات تأثر الداخل بالخارج الإلحادي. أما مظاهر اهتمام الخارج الإلحادي بالحالة المحلية السعودية فقد تلمستها من خلال متابعة مقالات رموز الإلحاد وبعضاً من محاضراتهم وندواتهم وتغريداتهم فملاحظة وملاحقة تفاصيل المشهد المحلي حاضرة فعلاً في الوعي الإلحادي ولذا فتجد لهم تعليقات على كثير من الأحداث والملفات الساخنة محلياً، أذكر مثلاً أن اللقاء الثاني والذي يعرف بلقاء فرسان الإلحاد الأربعة والذي جمع دوكنز وهارس ودانيت وآيا هرسي كبديل عن هيتشنز بعد وفاته، كان الملف الإسلامي مسيطراً، بل التعليق على تفاصيل تتعلق بالمشهد المحلي كتناول موضوع حمزة كشغري وتداعياته، مثال آخر أحد الرموز الإلحادية الشهير لورنس كراوس هو المقدم والمقرظ لمجموعة المقالات المترجمة لرائف بدوي وهكذا. طبعاً هذا الاهتمام الخاص بالإسلام كان هو الآخر أحد تداعيات 11 سبتمبر حيث رُبط هذا الحدث بالإرهاب، والإرهاب بالإسلام، قفز الاهتمام بعد ذلك بالظاهرة الاسلامية داخل الأوساط الغربية الإلحادية إلى مستوى متقدم، وبات الإسلام في فوهة المدفع الإلحادي، وهذه قصة شرحت بعض فصولها في كتاب “ميليشيا الإلحاد”.

 

  • هناك من يقول بأن الإلحاد المحلي هو عبارة عن أزمات نفسية. باعتبارك أحد الذين يشاركون في المناقشات الخاصة مع الشباب السعوديين المتشككين، صف لنا انطباعاتك عن هذه الجلسات.

لنتفق ابتداءً على أن الظاهرة البشرية ظاهرة مركبة ومعقدة، وأننا نحتاج بالتالي لنفهم كثيراً من أحوالها إلى تفسيرات تتسم بالتركيب والتعقيد. بمعنى آخر يصعب في كثير من الأحيان الاعتماد على قوالب تفسيرية أحادية أو ذات بعد واحد، وأننا متى سعينا لتقديم مثل هذه التفسيرات البسيطة فسنكون عرضة للخطأ، ومتى أخطأنا التفسير فسنخطئ في المعالجة، المشكلة تعظم حين تكون تلك التفسيرات من قبيل الإجابات الجاهزة المعلبة والتي لم تراع الحد الأدنى من مقومات دراسة الواقع لاستكشاف الأسباب الفاعلة. أذكر مرة أني كنت في نقاش مع مجموعة من الشباب من المتأثرين بل الواقعين في مشكلة الإلحاد، ذهبت بعدها إلى عشاء عند أحد الزملاء والذي تأخرت عنه كثيراً بسبب طول النقاش الذي جرى مع تلك المجموعة، وأحب المضيف أن يعتذر عني للحاضرين وقال: “ترى أبو صالح كان متأخراً لأنه كان يناقش مجموعة من الشباب الملحدين”. فأخذ موضوع الإلحاد جو المجلس كما يقال، علق أحد الحاضرين يومها قائلاً: “بصراحة أنا أرى أن هؤلاء ليسوا إلا محبي شهرة” هذا مثال لاختزال القضية في تفسير غير مناسب، فهذا النموذج التفسيري لا يصلح هنا إذا أدركنا أن كثيراً من أولئك الشباب يمارسون في دوائرهم الاجتماعية ما يسمونه هم بالتقية الاجتماعية، بمعنى استبطان إلحادهم والالتزام بمظاهر التدين ظاهراً كإظهار الصلاة والصيام وغيرها. أذكر أني سمعت محاضرة لأحد الدعاة المشاهير فذكر في سياق محاضرته قصة جرت له بأن امرأة اتصلت عليه تشكو بأنها اكتشفت أن زوجها ملحد، فسألها الشيخ بعد نقاش: زوجك حولك؟ قالت: نعم، فطلب التواصل مع الزوج وكان ذلك، وبدأ النقاش بينهما وبعد أن علاه الشيخ بالحجة كما يقال، قال له: “بسألك يابو فلان، وجاوبني بصراحة مو القصة كلها شهوات وإنك تبي تلغي سلطة الضمير على نفسك؟” فقال الزوج: “بيني وبينك يا شيخ ترا الموضوع كله شهوات”! بالنسبة لي هذه القصة تريد إيصال رسالة للمتلقين بأن الملاحدة ليسوا إلا شلة من الشهوانيين. وهذا طبعًا مريح جدًا للضمير الشرعي، فإذا كانت أزمة الطرف المقابل أزمة أخلاقية، فالموضوع ليس ناشئًا عن تقصير في الأدوات المعرفية والمعطيات العلمية، فماذا أفعل مع إنسان شهواني يعرف الحق ويعرض عنه لاعتبارات شهوانية معينة. أنا لا ألغي بطبيعة الحال اعتبار الشهوة والشهرة كمعاملات تفسيرية في أحوال معينة، لكني أرى عدم الاقتصار عليه أولاً ومراعاة الطبيعة المركبة للظاهرة والتي تستوجب ملاحقة أسباب متضافرة تشكل مثل هذه الظاهرة، مع تفاوت قد يكون في أوزان هذه الأسباب. وعلى المستوى الشخصي وجدت تفاوتاً حقيقياً في بواعث الإلحاد عند شبابنا فبعضهم تحس بعبثيته أثناء النقاش، وبعضهم بعد استغراق معه في الحديث تشعر فعلا بأنك أمام مريض نفسي وأفكر أثناء النقاش كيف يمكن إيصال رسالة بضرورة مراجعة طبيب نفسي، وبعضهم يتسم بقدر من الجدية العلمية، وتتلمس من حديثه الصدق في تطلب حل لشبهة مؤرقة أزعجته، بعضهم يتصل عليّ وهو يبكي متأثراً بسبب حالة الاكتئاب الذي ولدته شكوكه، وآخر يحدثك عن أرق أسبابه أو انخفاض في وزنه بسبب القلق، أذكر مرة أني جلست مع أحدهم فقال: “يبو صالح أتمنى إني أرجع فلان الفلاني قبل سنوات حين كنت أطمئن في سجودي، لكني عاجز عن استعادة تلك المشاعر الجميلة ما لم أقتنع، ولا أستطيع أن أقبل بقفزة إيمانية عمياء لأستعيدها دون حلول علمية للإشكاليات الموجودة لدي. باختصار يجب أن ندرك أن الظاهرة مركبة، تتعاضد وتتشارك معطيات متعددة في توليدها، وهو ما ينعكس على بواعث الإلحاد وشبهاته وسؤالاته، بل ينعكس على أخلاقيات أولئك الشباب وكيفية عرضهم لموقفهم الإلحادي. وهو ما تلمسته بنفسي، فمنهم من هو مهذب لبق، وبعضهم لا يتسم بقدر من اللباقة المطلوبة لإجراء الحوار، وبعضهم منفتح للمحاورة والمناقشة، وبعضهم يتسم بقدر من الانغلاق. أذكر أن أحدهم اتصل عليّ صباح يوم العيد، وقال لي: عندي سؤال، طبعاً لم يخطر ببالي أن السؤال متعلق بملف الإلحاد، رحبت به وقلت: تفضل. فقال: “أبغى دليل واحد فقط على وجود الله”! بصراحة لم أتمالك نفسي وضحكت، فسألني: “ليش تضحك؟” فقلت له: “بيني وبينك اليوم عيد وتوقعت بتقولي تقبل الله مني ومنك، عيدكم مبارك”، فضحك وقال: “طيب ايش الجواب؟” قلت له: “بصراحة لا أجدني متحمساً للجواب فطريقة عرض السؤال لا توحي بعقلية منفتحة لإدارة حوار مثمر حول الموضوع”قال: “ليش؟” قلت: “لما تقولي عطني دليل واحد فقط على وجود الله كأنك تقول لي أتحداك أن تثبت إن الله موجود، بصراحة لست مهتماً بالاستجابة للتحديات، بعدين هذا السؤال ما يدار بمثل هذا الشكل، في مؤلفات وكتب ودراسات وحوارات، اقرأها وبعدين نتناقش في ضوء المعطيات الموجودة، أنت تدرك الأدلة اللي يستدل بها الخطاب الديني على وجود الله، نتحاور ونتناقش في تلك الأدلة، مو نبدا النقاش من نقطة الصفر وكأن نستفتح صفحة بيضاء خالية”، قال لي: “يعني ما بتجاوب على سؤالي؟” قلت: “بيني وبينك ما عندي رغبة للجواب”، اعتذرت له وانتهت المكالمة فعلاً.

 

  • تشهد الأوساط الغربية العديد من المناظرات العلنية في الأسئلة التي يثيرها تيار الإلحاد الجديد، بينما هذه المناظرات محدودة في العالم العربي، هل تشجع حدوث مثل هذه المناظرات؟

قضية المناظرات مسألة خاضعة لتقديرات المصالح والمفاسد، ولا يلزم ضرورة أنها تكون القالب الدعوي الأنسب. شخصياً لا أرى أن الأمر وصل إلى حد الظاهرة العامة التي تستدعي القفز إلى هذا المربع الآن، وأن الملف حالياً لو أدير في ضوء مناظرات علنية، فسيصب هذا في صالح الترويج للخطابات الإلحادية بشكل أو آخر. وعلى كل حال فليست المناظرات هي بوابة المعالجة الوحيدة، وأظن أن تشكيل الوعي بطبيعة الملف الإلحادي وأهم سؤالاته وشبهاته وكيفية تقديم الجوابات عليه، ينبغي أن يحتل في هذه المرحلة منزلة متقدمة على مسألة عقد مناظرات حول الموضوع. ولا يخفاك أن قالب الجدل والمناظرة وظهور الغلبة فيه لا يلزم أن يكون عائداً إلى اعتبارات علمية معرفية بل إلى سرعة البديهة أحيانا، وإلى لحن القول، وسحر البيان، واستعراض أدوات قد تكون في حد ذاتها أجنبية على المعاملات العلمية التي ينبغي أن تكون هي مكون التأثير الحقيقي. جرب أن تستمع لمناظرة بين شخص على باطل لكن أسلوبه في عرض أفكاره يتسم بالطرافة والجمال، وآخر يكون على الحق لكنه ممل جداً في عرض أفكاره، وقيم أي الرجلين كسب الجولة. هذه الحقيقة تزهدني في كثير من الأحيان في نجاعة أسلوب المناظرة كقناة وسبيل لبيان الحق.

 

  • يظهر أن للنزعة العلموية مركزية في الخطاب الإلحادي الجديد، هل يتطلب هذا قراءات واسعة للشرعيين في المجالات اللصيقة به؟

القارئ للمشهد الإلحادي المعاصر يمكنه أن يدرك بسهولة مركزية النزعة العلموية في تشكيل الحالة الإلحادية، وأنها تمثل أحد الأصول الكبرى والتي يتأسس عليها الإلحاد الجديد، أن كثيراً من تمظهرات الحالة الإلحادية إنما هي إفرازات وأعراض لهذه النزعة والتي تريد حصر المعرفة الإنسانية البشرية في إطار العلوم الطبيعية التجريبية، وأنه لا سبيل لتحصيل المعرفة إلا من طريقها، وإدراك مثل هذه المسألة في غاية الأهمية لأننا قد نستنفذ قدراً من جهدنا في معالجة عرض لمرض من غير تقديم معالجات للمرض ذاته. يمكنني تشبيه الأمر هنا بمسألة قريبة من هذه الإشكالية والتي تكشف عن خطورة الوقوع في مطب معالجة الأعراض دون النفوذ إلى مكمن الداء. من مشهور التقريرات العقدية لدى المعتزلة دعواهم أن الله لا يرى في الدار الآخرة، أسأل مجموعة من الزملاء والطلبة في بعض المناسبات، ما دليل المعتزلة على تبني مثل هذا التصور العقدي؟ فكثيرا ما يجيء الجواب: استدلالاً بقول الله تعالى: {لن تراني} في قصة موسى عليه السلام، أو قول الله تبارك وتعالى: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار}، فكنت دائمًا ما أبين خطأ مثل هذا التصور وقصوره عن تفسير البواعث الحقيقية للمعتزلة في تبني تلك المقولة العقدية، وأقول: المحرك الأساسي عند المعتزلة لتبني هذي العقيدة هو موقف عقلي منها وليس معطى متعلق بالوحي ابتداءً، بمعنى أنهم يرون استحالة رؤية الله تبارك وتعالى لمعطيات عقلية عندهم، إذ لو كان يُرى لكان في جهة ولكان جسماً ولكان ذا لون… إلخ. وبالتالي فإن الاستغراق في مجادلتهم في مربع الوحي، ودلالة تلك النصوص على المسألة لن يسهم في إزالة المعوق الأكبر من القبول بالرؤية السنية في مسألة الرؤية. نفس الإشكالية تراها بادية عند الملاحدة، فأحد المحركات الكبرى و الأساسية والتي تدفع الملحد للتشبث بنظرية دارون والتعصب لها، ليس مجرد المعطيات العلمية الموضوعية المتعلقة بنظرية داروين. بل جزء كبير من هذا التعصب ناشئ عن تحيز معرفي مسبق، فهو أمام سؤال يشكل مأزقًا يتعلق بتنوع الأجناس والأحياء الموجودة وكيف وجدت، وليس أمامه إلا أحد جوابين: الله عز وجل، الإجابة الثانية: التطور الدارويني. الله عز وجل ملغى من الاعتبار لخروجه في تصوره عن أن يكون جواباً علمياً، فهو سيتشبث بالداروينية لأنه يرى فيها تفسيراً مادياً طبيعياً للظاهرة المادية الطبيعية، ولا يجد تفسيراً مادياً سواه. والذي يكشف عن مثل هذا التحيز بشكل فاضح قول أحد مشاهير التطوريين: حتى لو كانت جميع الدلائل تشير إلى مصمم ذكي لما كان هذا التفسير مقبولاً، لأنه لا يعد تفسيراً مادياً لما أمامنا. وهذه إشكالية معرفية هائلة، فالأمر يشبه أن يكون عند الشخص صندوق أدوات يأخذ منها ما يستعين به على تشكيل تصوراته العلمية، فإذا لم تكن الأدوات التي بداخل ذلك الصندوق قادرة على استشكاف ما أمامه من الظواهر، وأن الأداة التي يحتاجها لاستشكاف هذه الظاهرة موجودة خارج الصندوق، فسيظل عاجزاً بل راداً لمعطى علمي مبرهن لكن بمنهجية يرفضها. والذي يكشف لك عن هذا المأزق مثلاً أن كثيراً من الملاحدة يقر بنظرية الانفجار الكبير، ويقر تبعاً لهذا الإقرار بأن المادة والطاقة بل الزمان والمكان تشكلت مع لحظة الانفجار، وبالتالي يجب أن يكون الذهن منفتحاً لقبول تفسير غير مادي لهذه الظاهرة لأن المادة ذاتها ظهرت مع تلك اللحظة، فإذا حصرت نفسك في تطلب جواب مادي فلن تصل إلى جواب. فالخطوة الأولى إذن إدراك أن هذه النزعة خطيرة، وتؤثر تأثيرًا كبيرًا وهائلًا في المشهد العقدي والعلمي الغربي. الأمر الآخر، ما يتعلق بأحد جوانب التقصير الموجودة عندنا في الكتابة الشرعية داخل الحالة السلفية، وهو ما يتعلق بمجال فلسفة العلوم، ونظرية المعرفة، ومعالجة جدليات مصادر المعرفة الإنسانية، تلك الجدليات العاصفة في المجتمع الغربي حيال ما يصح أن يكون محسوبًا على العلوم الطبيعية التجريبية وما لا يصح، وما مستويات القطعية والظنية فيه، وكيف يمكن البرهنة على الأمور، وموقع الإثبات وإمكانية الدحض من هذه المنظومة وغيرها من جدليات كثيرة جدًا. فالكتابات الشرعية محدودة جدًا في هذا الإطار، ولا زالت بعض الأسئلة معلقة لم تحرر كثير من جواباتها.

 

  • ختمت الفصل الأخير لكتاب مليشيا الإلحاد بمجموعة من الآيات القرآنية. من أين تنبع أهمية القرآن الكريم في هذا الجدل الإلحادي المعاصر؟

تنبع من عدة معطيات، القرآن الكريم فيه إشارات ودلائل تتعلق بمعالجة الظاهرة الإلحادية. فأمهات الدلائل الشرعية المتعلقة بوجود الله موجودة في القرآن الكريم، وهي غالباً لا تساق لمجرد تقرير هذه القضية، بل تجيء تلك الدلائل للكشف عن حقائق أجل وأعظم كوحدانية الله في ربوبيته واستحقاقه للعبادة وحده، وهي تتضمن تقرير وجود الله بداهة، مضافاً إليه حقائق عقدية. ثم إن طبيعة المعالجة القرآنية للمباحث العقدية تتسم بجملة من السمات، منها اليسر والسهولة، وقرب المأخذ، وتنوع الأدلة وكثرتها، إضافة إلى تلك اللغة الإيمانية الرفيعة التي تستثير المكونات الفطرية والعاطفية الموجودة عند القارئ. وأصدقك القول بأني على المستوى الشخصي أجد في القرآن أنيساً دائماً بعد تخوضي في بعض الجدليات الإلحادية، فغالبًا إذا دخلت في نقاش مع مجموعة إلحادية، يحصل عندي نوع من أنواع الضيق النفسي، هذا الضيق ليس ناشئًا عن الشبهات أو الإشكاليات المتعلقة بهذا الباب، لكنه يتعلق بمعنى لا أعرف مدخله بدقة، هل هو نوع من أنواع الاستيحاش أو الألم النفسي لا أدري. وألمس هذه المشاعر من نفسي بل حتى من حولي من أهلي يدركون هذا في خلقي، ويلحظون عليّ حالة من حالات التوتر والقلق، ولا أجد نفسي قادرًا على استعادة توازني النفسي إلا عقب عودتي إلى بعض الآيات القرآنية، وأجد والله الانشراح والاستبشار بها والسرور بها، وتتبدل حتى نفسيتي إلى الأفضل. وقد ضمنت آخر كتاب ميليشيا الإلحاد جملة من الآيات القرآنية، وانتقاؤها كان مقصوداً، ولها وقعها الإيماني الخاص عليّ خصوصاً فيما يتعلق بملف الإلحاد.

 

  • بعد هذا الكتاب نشرت كتابًا آخر، هو ((شموع النهار))، المتعلق بسؤال وجود الله سبحانه وتعالى. لماذا اخترت هذا السؤال من بين كل الأسئلة الأخرى؟
12530901_987218024688690_777734475_n

كتاب شموع النهار لضيف اللقاء.

يبدو أن البدء بها أمر طبيعي فمسألة وجود الله هي نقطة الخلاف الأول بين الملاحدة والمؤمنين، وهي أولى المسائل التي تقفز للذهن عند ذكر الملاحدة، ثم إن تأصيل هذه القضية مهم في ظل ما وقع من جدل حولها إذ هي الأصل العقدي الذي تتأسس عليه بقية الأصول العقدية. وهدف الكتاب الأساسي هو محاولة تقديم مادة شرعية ثقافية مناسبة لشريحة واسعة من القراء والمهتمين، إذ مع بروز قضية الإلحاد برزت طبقة من الشباب من غير المختصين بشكل مباشر بالعلوم الشرعية لكنهم مهتمين بهذا الملف، فجاء الكتاب ليقدم توعية أرجو أن تكون مناسبة لهذه الشريحة أيضاً، واستهدفت به كذلك طلبة العلم المختصين في المجال العقدي في محاولة لإطلاعهم على أهم المستجدات المتعلقة بهذا الباب، لأن طبيعة السؤالات والاعتراضات من قبل الملاحدة فيها نوع من أنواع الجدة، وطبيعة البرهنة والتدليل العصري على كثير من المقدمات التي تشتمل عليها أدلة وجود الله عز وجل كذلك تشتمل على قدر من التحديث والجدة، ولذلك يلاحظ القارئ عندما ينتقل البحث إلى قضية الأدلة العقلية على وجود الله تبارك وتعالى، نوعًا من أنواع الاستغراق في بعض الجدليات العلمية التفصيلية المتعلقة بالمسألة هذه، مما قصدت من خلاله أن أطلع الوسط الشرعي على طبيعة الجدل الديني المعاصر. ولذا كان العنوان الفرعي للكتاب ((إطلالة على الجدل الديني الإلحادي المعاصر في مسألة الوجود الإلهي)). عمليا عندما يتماس الباحث مع الملف الإلحادي، فسيجد أمامه عدداً من الملفات والمسائل، مسألة إنكار وجود الله عز وجل، ومسألة إثبات النبوة، أو المباحث المتعلقة بنظرية المعرفة، أو مصادره، أو النزعة العلموية، أو النزعة الإنسانية، أو نظرية داروين، أو غيرها من النظريات العلمية المتعلقة بهذا الباب. بالنسبة لي كانت مسألة وجود الله تبارك وتعالى هي القضية المركزية، وهي الخطوة الطبيعية لأي مهتم وباحث وراصد للقضية الإلحادية، وثمة انطباع بوجود فراغ في المكتبة الشرعية، فأردت تقديم تحديث لأهم الملفات المتعلقة بهذا الموضوع.

 

  • كان لدليل الفطرة مكانة خاصة في كتابك، حتى عند مناقشتك للأدلة الأخرى تحرص على العودة إلى دليل الفطرة لبيان تأثيره على باقي الأدلة. بل إن عنوان الكتاب يشير إلى الاهتمام بهذا الدليل. لماذا هذه النزعة لدليل الفطرة في الوقت الذي يحرص فيه كثير من المهتمين على بيان الأدلة العقلية، بل والعلمية التجريبية؟

العنوان مستوحى من عبارة لشيخ الإسلام ابن تيمية نقلها عنه الإمام ابن القيم في كتابه العظيم مدارج السالكين، قال فيها: “كيف تطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء، وكان كثيرًا ما يتمثل بقول الشاعر: وكيف يصح في الأذهان شيء، إذا احتاج النهار إلى دليل”. وعقبت عليها بقولي: “حقًا حين نطلب الأدلة عليه فكأنما نوقد شموعًا في النهار”. والعنوان بالمناسبة من إهداءات الصديق الغالي بدر الثوعي، وغالباً ما أتأخر في وضع عنوان الكتاب إلى لحظة إنجازه، فأستشير جمعاً من الأحبة والزملاء في عنوان مناسب، وكنت في هذا الكتاب قد استشرت ثلاثاً من الأحبة بعد أن أطلعتهم على فكرة الكتاب وهم: الشيخ الحبيب إبراهيم السكران، والصديق الأديب محمد الشمراني، والأستاذ الكريم بدر الثوعي. وتحصلت على حزمة من العناوين المقترحة، ومما يعلق بذاكرتي منها: ترياق الحيرة، تحنان الحيارى، رؤية الملكوت، نظرة للسماء، خطايا العقل، سذاجة عقل، معراج الروح، تراتيل موحد، رصاصة التيه الأخيرة، ماراثون الأسئلة، رهج العقول، وغيرها الكثير. وجذبني “شموع النهار” الذي اقترحه بدر، لأني وجدته يعبر بشكل كبير عن الفكرة المركزية التي أردت التنبيه عليها في كتابي. الطريف أن هذا العنوان حظي بإعجاب بعض الأصدقاء في مقابل ذم مجموعة أخرى، كان الامر أشبه بمغامرة في التسمية، فبعض الأسماء لا تمثل مغامرة ولكنها لن تحظى بحالة إعجاب استثنائية، وفي كثير من الأحيان حين نخوض مغامرة من هذا النوع فمكتسبات التسمية قد تكون عالية أو منخفضة أو عالية ومنخفضة معاً وهو ما حصل معي. وعوداً على موضوع الفطرية وصلتها بملف الإلحاد، فدعني أصارحك أني بعد اهتمام بملف الالحاد وملاحقة لكثير من تفاصييله وجزئياته، والاطلاع على قائمة طويلة من الجدليات في ملفاته، وجدت أن الفطرة يجب أن تشكل الأصل الضخم الذي ننطلق منه في تقرير مسألة الوجود الإلهي، وأننا متى تنازلنا عن هذا المنطلق انفتحت في وجهنا مشكلات سفسطية متعددة لا نهائية لها، إذ إن إمكانية السفسطة وإيراد الاعتراضات والسؤالات والاستشكالات على أي قضية لا حدود لها. فالعقل البشري قادر على توليد الاعتراضات التي لا يمكن للإنسان أن يقدم لها جوابًا حاسماً، ولا سبيل إلى دفعها إلا بالتخندق في خندق الفطرة، وجزء كبير من الإشكالات الإلحادية في تقييمي عائدة إلى لون من السؤالات الفلسفية التي لا يمكن دفعها إلا بالرجوع إلى ما يجده الإنسان من نفسه ضرورة بمقتضى الفطرة، وهي قضية أرجو أني أوضحتها بشكل جيد في الكتاب. عندما يتناقش ريتشارد دوكنز وآخر في مدى إمكانية أن نكون مجرد كائنات افتراضية في حاسب آلي كبير لأحد الشباب المراهقين في كراج عائلته في حضارة بشرية متقدمة! كيف يستطيع الإنسان أن يدفع مثل هذا التصور ويقدم جوابًا بعيدًا عن المستند الفطري؟ بالنسبة لي ما لم يكن الانسان مستمسكًا بالمعطيات الفطرية فلن يقيم معرفة إنسانية بشرية، ولن يستطيع أن يقيم فلسفة أخلاقية متماسكة، باختصار لن يستطيع أن يكون إنسانًا. في النهاية إذا ضحى الإنسان بالمعطى الفطري، فإنه سيضحي بكل شيء. كثير من الشباب يظن أن منتهى طريق الإلحاد هو إنكار وجود الله عز وجل، وأنا أريد أن أنبههم أن هذا الإنكار في الحقيقة هو مبتدأ الطريق! فحين تنكر وجود الله عز وجل فسيستلزم منك هذا الموقف مسلسل من الإنكارات المتواصلة، ستنكر تبعًا لذلك المعارف الإنسانية البشرية، ستنكر النزعة الأخلاقية الموجودة عند الإنسان، ستنكر الإرادة الإنسانية الحرة، وستنكر أمور كثيرة جدًا.

 

  • الكتاب زاخر بالأسماء التراثية، مثل: ابن حزم، ابن تيمية، ابن القيم، ابن رشد، الرازي، الغزالي، ابن كثير. هل للتراث الكلامي إسهام في مثل هذا الجدل الإلحادي المتأخر عنه؟
CdryLeFWoAAoDLo

الضيف يهدي كتابه شموع النهار للدكتور محمد العوضي.

نعم هناك مادة علمية تراثية كبيرة جدًا يسهل على الإنسان أن يستثمرها في كثير من الجدليات في الفضاء الإلحادي المعاصر. خصوصًا ما يتعلق بالأبعاد العقلية المتعلقة بهذه المسائل وقضايا الفطرة، وما يتعلق بالنظريات المعرفية المتصلة بهذه المباحث. أحد الإشكاليات القائمة الموجودة مثلًا عدم الاهتمام والعناية بالتفاصيل المتعلقة بنظريات المعرفة في الداخل الإسلامي، وأيضًا ما يتعلق ببحث المبادئ العقلية الضرورية، فيمكن أن نستجلب من النص التراثي ما يفيد في معالجة هذه المسائل. ما أخفيك أن بعض المواد قرأتها قديمًا، فمن أجل البحث عاودت النظر في بعض الأجزاء التي لها صلة بالبحث الفطري، فأبهرتني طبيعة المادة التراثية الموجودة. مثلًا كتاب الفصل لابن حزم في حديثه عما يتعلق بالمعارف الأولية للإنسان ونظرية المعرفة، وجدت ما أبهرني من أدوات مناقشة وبرهنة وتدليل تمثل مادة ممتازة جدًا يمكن الانتفاع منها. الإمام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل له مقدمات ممتازة جدًا وفي غاية الأهمية. أبو حامد الغزالي سواء في سيرته الممتعة المنقذ من الضلال أو حتى في كتبه العقائدية سيجد فيها الإنسان مادة قابلة للاستثمار لمعالجة بعض الجزئيات في الجدل الإلحادي المعاصر. فجزء من المسائل المعاصرة في هذا المجال قد عولجت فعلاً في التراث، واستثمارنا لهذه المعالجات أحياناً ليس على المستوى المطلوب، هذه وجهة نظري. أحد أشهر المناظرين النصارى للملاحدة في المجتمع الغربي اسمه ويليام لاين كرايج، له رسالة دكتوراة تتعلق بالدليل المعبر عنه في الوسط الغربي بالدليل الكوزمولوجي، أو الدليل الكوني. طبع الكتاب على شقين، الشق الأول يتعلق بتاريخ الدليل الكوزمولوجي والشق الثاني كان عنوان الكتاب ((الدليل الكلامي الكوزمولوجي))، يصرح في مقدمة الكتاب بأنه لا توجد حقبة تاريخية أكثر أهمية عالجت هذا الدليل، وبلغ فيها ذروته، في مقابل حالة من حالات التجاهل المتعمدة له في الوسط الغربي، مثل حقبة الفلسفة والكلام الإسلامي!

 

  • من المدهش في الكتاب استيعابك للنظريات الطبيعية، واستثمارها في مواجهة أدلة الملاحدة. كيف استطعت استيعابها وأنت القادم من خلفية شرعية؟

طبعاً أنا أقدم من خلفية هندسية أيضاً، فقد تخرجت بحمد الله تعالى من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن في تخصص هندسة الحاسبب الآلي، ودرست حينها الكثير من المعطيات العلمية في الكيمياء والفيزياء، مما يسهل بطبيعة الحال استيعاب بعض ما يتعلق بهذه الملفات, إضافة إلى احتكاك واتصال ببعض الزملاء والأحبة من المختصين في مثل هذه المجالات المعرفية. وأيضاً انتفعت كثيراً في تحصيل ما يتعلق بهذه الفروع المعرفية من خلال الاطلاع على أحد الفروع المعرفية الموجودة في الوسط الغربي وهو ما يسمى بالـ ((Pop-science)) اختصاراً لـ ((Popular Science)) وهو فرع يهتم بتقديم العلوم الطبيعية التجريبية في قوالب شعبية عامة، وهي تسهل إلى حد بعيد جدًا كثيرًا من النظريات التي تتسم بقدر من التعقيد داخل الإطار الأكاديمي العلمي. إضافة إلى ذلك هذه الثورة التعليمية الهائلة التي ولدتها شبكة الإنترنت عبر منصات تعليمية متعددة والتي تمكن المهتم من الاطلاع على عدد كبير جداً من المحاضرات والدورات لكبار المختصين في مختلف المجالات المعرفية ومن أعرق الجامعات العالمية. بالإضافة أيضاً إلى اهتمامي بالكتب المعنية بالظاهرة الإلحادية وقضية وجود الله عز وجل في الوسط الديني الغربي، فهي أيضاً تساعد على فهم النظريات المتعلقة بهذا الجدل. وأتوقع أن هذا واضح في ثنايا الكتاب، وجزء من المادة العلمية الموجودة في هذه الكتابات مفيد ومهم باعتبار أن كتابه مختصين في مجالات العلوم الطبيعية. فمن الفوارق الموجودة في طبيعة التعاطي للمجتمع العربي في الملف الالحادي مقارنة بطبيعة التعاطي الموجودة في المجتمع الغربي، أن كثيراً من المشاركين في الجدل الإلحادي يأتون من خلفيات طبيعية تجريبية، وإن كثيرًا من الكتابات التي تتحدث عن تصميم الكون أو نظرية التصميم الذكي أو غيرها، كل كتّابها يأتون من خلفيات بيولوجية، رياضية، كيميا حيوية وغيرها. وبالتالي هذا الفضاء خدمني خدمة ممتازة في التعرف على كثير من النظريات العلمية واستيعابها وتوظيفها في الجدل الخاص بالقضية هذه. وبطبيعة الحال فالمظلة التي مكنت من الاستفادة من كثير من هذه الموارد هو إتقان اللغة الإنجليزية، والتي فتحت أفقاً واسعاً جداً للنفوذ إلى مراجع ومصادر قد لا تتيسر للقارئ العربي.

 

  • ألا تخشى أن استخدامك للأدلة الطبيعية التجريبية في إثبات وجود الخالق، سيؤدي بك إلى المأزق الذي وصل إليه الإعجاز العلمي، إذا ما خُطّئت هذه النظريات في المستقبل؟

وجهة نظري أن هذا النوع من الأدلة مقسمة إجمالاً إلى نوعين من أنواع الدلالة. منها دلالات من قبيل المعاينة الحسية، وقد تصل إلى مستوى القطعيات، بحسب طبيعة المعاينة والمشاهدة، ككروية الأرض مثلاً فمثل هذه الحقيقة العلمية هي من قبيل المدركات الحسية، وليست فرضيةً علميةً تقدم لنا تفسيراً لبعض الظواهر الطبيعية، هي مسألة مقطوع بصحتها لخضوعها للحس والتجربة. بخلاف بعض النظريات التي يتم توليدها لتفسير بعض الظواهر الطبيعية وفق منهجية علمية معينة، والتي يكون الباحث حينها أمام ظاهرة معينة، فيحاول أن يقدم فرضية تفسر هذه الظاهرة ثم يختبرها للتأكد من كونها نموذجاً تفسيرياً صالحاً لهذه الظاهرة، وبعض هذه الفرضيات تزداد قوة إن كان لديها قدرة تنبؤية بالكشف عن مظاهر طبيعية تكون منسجمة معها مع عدم كونها مشمولة ابتداءً في العينة الاختبارية. المقصود أن مثل هذه المنهجية في تفسير الظواهر الطبيعية ومحاولة إيجاد قوالب تفسيرية لها يصعب فعلاً أن تصل إلى حد القطعية، وإن أمكن تفاوتها في القوة والإحكام، وهذا معنى يمكن ملاحظته ورصده من خلال ملاحظة سياق تطور المعارف والعلوم، وكيف أن نظريات معينة قد تهاوت لتحل محلها نظريات أخرى، أو يكشف هذا التطور العلمي قصور النظرية السابقة عن تقديم تفسير تام فتحتاج إلى نظرية مساندة أخرى تكمل الإطار التفسيري وهكذا. إذا لاحظنا هذا فما يدخل في البنية الاستدلالية في مسألة إثبات الوجود الإلهي قد يشتمل على معانٍ هي من قبيل القطعيات، فحين يقوم دليل النظم والإحكام على مقدمة تقول أن الكون منتظم محكم، فثمة حزمة واسعة من المعطيات العلمية القطعية التي تساعد على بناء مثل هذا التصور، ليكمل المكون الفطري مقدمة الدليل الأخرى وهو افتقار هذا الإتقان إلى سبب. في المقابل مثلاً الاستدلال بنظرية الانفجار الكبير كمعطى معضد لإحدى مقدمتي دليل الحدوث والخلق والإيجاد هو أن الكون حادث، فنظرية الانفجار الكبير يصعب فعلاً تصور قطعيتها وأن تمثل نهاية المشوار العلمي في تفسير مسألة نشأة الكون، وإن كانت تمثل النظرية العلمية المقبولة في الدائرة الكزمولوجية المعاصرة، بحيث أنها باتت مقبولة حتى في الدوائر الإلحادية، هذا القبول الواسع يجعل منها فضاءً استدلالياً مناسباً لاختصار إطار فلسفي واسع في البرهنة والتدليل على حدوث الكون أو جنس الموجودات، وهي قضية استغرقت جدلًا فلسفيًا عميقًا وطويلًا جدًا في الكتابة التراثية، ويكفي أن تدرك أن القضية الكبرى التي شغلت حيزاً  كبيراً من كتاب أبي حامد الغزالي تهافت الفلاسفة هذه القضية. هذا المشهد العلمي واعتراف مختلف الأطراف بحدوث العالم يختصر على الباحث البرهنة على هذه المقدمة لتسليم الكل بها، وقد نبهت أنا في الكتاب أن اعتمادي على هذه النظرية بقدر تسليم الطرف المقابل بها، وأنها ليست المعوّل الأوحد على حدوث هذا العالم بطبيعة الحال.

 

  • أنتم تشرفون على مركز ((تكوين)) الناشر للكتابين. ما هي إسهامات المركز الأخرى في هذا الملف؟ وكيف تقيم استجابة الوسط الشرعي لتحديات الخطاب الإلحادي الجديد؟
10592750_10153306759802176_29989531797038152_n

الدكتور عبدالله الشهري، مشرف مركز براهين سابقًا، ممسكًا الكتب التي تُرجمت بالتعاون بين براهين وتكوين.

بالنسبة للمركز فدائرة اهتمامه أوسع من الملف الإلحادي فالإلحاد لا يمثل إلا ملفاً واحداً من حزمة ملفات عقلية وفكرية وشرعية كثيرة، وأظن أن منتجات المركز تكشف عن هذا  التنوع. فنحن في المركز مهتمون بمجالين أساسيين يمثلان هوية المركز ومجال نشاطه وعمله، الأول الحالة الفكرية بكل تجليات الحالة الفكرية، فكل ما كان منتسباً إلى هذا الفضاء فهو من صميم عمل المركز. المجال الثاني: المجال الشرعي وبشكل خاص ما يسهم في تنمية العقل الشرعي فلسنا مهمومين بتفاصيل المشهد الشرعي أصالة وإنما في إطار الكليات أو المنهجيات أو القضايا المهارية وغيرها. وفي ضوء ما تقدم فلا شك أن مسألة الإلحاد وما يتصل به ملف فكري وعقدي ملح وبالتالي جاءت استجابة المركز عبر تقديم منتجات تعالج عدداً من سؤالات هذا الملف، إما بطريقة مباشرة ككتابي الدكتور سامي عامري ((فمن خلق الله؟)) و ((مشكلة الشر ووجود الله))، أو كتابي ((ميليشيا الإلحاد)) أو ((شموع النهار))، أو عدد من الكتب المترجمة الداخلة في هذا الإطار كالكتب المترجمة التي وقعت بالشراكة مع مركز براهين أو مما حظينا بترجمته استقلالاً. إضافة لما سبق فهناك عدد من الكتب التي تتماس مع الملف الإلحادي وإن لم تمثل معالجة مباشرة له، ككتاب الدكتور سعود العريفي ((الأدلة العقلية النقلية)) وكتيبه ((منهج الاستدلال بالمكتشفات العلمية على النبوة والربوبية)) أو غيرها من الإصدارات. فمع اهتمامنا بالمشاركة في هذا الملف لكنه في النهاية يمثل ملفاً من ملفات متعددة كما ذكرت. وأحب أن أنبه بمناسبة ذكر هذه القضية أن من المشاريع التي يشرف عليها المركز بحمد الله برنامج صناعة المحاور وهو برنامج يسعى لإيجاد كوادر شبابية واسعة في الوطن العربي، قادرة على التفاعل الإيجابي مع حزمة من الشبهات والإشكاليات بعلم وعدل وأدب. وأحد المسائل التي لفتت نظري هو الربط بين البرنامج وملف الإلحاد خصوصاً بما يعطي انطباعاً عند المراقب الخارجي أن البرنامج يدور في فلك هذا الملف أو أنه مختص به، وفي الحقيقة فملف الإلحاد يمثل جزءًا من هذا المشروع لا المشروع كله، بل حزمة الشبهات والإشكاليات التي نطمع إلى معالجتها فيها تشتمل على الأسئلة الإلحادية المتعلقة بمسألة الوجود الإلهي وإثبات النبوات وغيرها، لكنه أيضاً يعالج ملفات أخرى كإثبات حفظ القرآن وحجيته، وحفظ السنة وحجيتها، إضافة إلى تحرير منهجية الفهم الشرعي، والتعرف على مصادر الاستدلال الشرعية  وغير ذلك، فالبرنامج إطار عمله ملفات واسعة ومتعددة يجمعها مجال الشبهات الكبرى المتعلقة بالإسلام، عبر خطة يمر فيها الطالب بتأهيل علمي بنائي لمدة ثلاث مستويات، لا يتم فيها التعاطي مع ملف الشبهات، حتى يبنى تصور إسلامي متماسك حيال أصول الإسلام الكبرى، يتلوها في ثلاث مستويات مسألة التفاعل مع الشبهات والإشكالات وما يتعلق بالجواب عليها من أصول منهجية ومضامين علمية وقضايا مهارية. المقصود أني وجدتها فرصة في التنبيه إلى هوية برنامج صناعة المحاور وأنه ليس أسيراً

Cje0WcmWsAAZFiy

إعلان برنامج صناعة المحاور في نسخته الثانية.

لملف الإلحاد وحده وأنه يعالج قضايا وملفات متنوعة. أما ما يتعلق بطبيعة تعاطي الوسط الشرعي إجمالًا مع ملف الإلحاد، طبعا أنا ذكرت في النصف الثاني من كتاب ((مليشيا الإلحاد)) مقترحات وتوصيات لتطوير أداء الخطاب العقدي، وهي توصيات ومقترحات منشؤها بطبيعة الحال ملاحظة قدر من المشكلات في التعاطي الشرعي مع هذا الملف على مستوى الوعي والإدراك لمختلف قضاياه وكيفية المعالجة. وليكن الحديث فيه جزء من المصارحة، لما حصلت حادثة حمزة كشغري مثلاً وما استتبعته هذه الحادثة من تداعيات، تابعت عدداً من المنتجات التي جاءت استجابة لهذا الحدث على شكل محاضرات أو مقالات، فوجدت عدداً من المتفاعلين عندما أرادوا معالجة هذه الظاهرة، كان قصارى ما اعتمدوه من مراجع وأبحاث: موسوعة الندوة العالمية للشباب الإسلامي! مثلًا. وهي كتابة تنتمي لحقبة زمنية معينة، وقد لا تكون المعبر الأفضل عما لحق هذا الملف من تطورات كثيرة، على مستوى الرموز والسؤالات والأدبيات وغيرها. فثمة هوة فاصلة بين طبيعة التعاطي الإلحادي المعاصر وأنماط إلحادية متقدمة، وبالتالي فكان هناك تناول مشيخي مختلف عن الحالة التي نحن بصددها. كنا في وقت من الأوقات نعاني من عدم القناعة في بعض الدوائر المشيخية بحجم الإشكال القائم الموجود، ولا زالت حالة عدم القناعة موجودة في بعض الدوائر، وإن تحسن الحال في دوائر مشيخة أخرى حيث بدأت تتكشف كثير من الحقائق، لكن مشكلة الوعي والإدراك بطبيعة المشكلة لا زال موجوداً، هل تصدق أن برنامج صناعة المحاور مثلاً حظي بقدر من التحذير! باعتباره برنامجًا يكشف للشباب الشبهات والمسائل الإلحادية وأن هذا مخالف لهدي السلف رضي الله عنهم، هو تحذير ناشئ عن عدم اطلاع على طبيعة البرنامج في حد ذاته، وطبيعة محاضراته ومقرراته، ولا على طبيعة الفضاء العام التي تتداول فيه هذه الشبه والإشكاليات. فنحن لا نتحدث عن قضايا أجنبية غائبة عن المشهد المحلي، بل نتكلم في قضايا فاعلة وحاضرة في كثير من الدوائر الشبابية، وقد لمسنا تفاعلاً إيجابياً هائلاً في نسخة البرنامج الأولى، وانطباعات ممتازة عن البرنامج بحمد الله وتأثراً يثلج الصدر. ونحن نلمس ذات التفاعل بحمد الله في نسخة البرنامج الثانية، فقد حظي البرنامج بدعم وتأييد ومباركة كثير من المشايخ بحمد الله. المقصود أننا بحاجة إلى رفع الوعي الشرعي حتى يدرك المشهد الإلحادي المعاصر كما هو بتفصيلاته وملفاته وقضاياه، وهو ما حاولت شرحه في مليشيا الإلحاد، سواء في التعريف بالظاهرة الإلحادية الجديدة، أو تقديم توصيات متعلقة بالتعاطي العقدي مع الظاهرة، ثم إدراك المعالجات العلمية التفصيلية في هذا الباب. هذا الوعي هو الذي سيشكل نواة لانطلاق المشاريع العلمية لمعالجة مختلف الملفات المتعلقة بمسألة الإلحاد، والذي يبدو في وضعه الحالي قاصراً وضعيفاً وليس على مستوى التحدي القائم، وأحسب أن ثمة سؤالات بحثية كثيرة جدًا حاولت الإشارة إليها في ثنايا الكتابين، والله أعلم.

 

  • كلمة أخيرة.

أبداً ليس عندي كلمة إلا شكركم على فتح هذه النافذة للتواصل مع الشباب، أسأل الله لي ولكم التوفيق وأن يعينني وإياكم على الخير، وأن لا تكون هذه الحلقة الحوارية هي نهاية مشوار هذه الحلقات الحوارية، فأنا شخصياً متشوق للتعرف على المحاور القادم وطبيعة السؤالات، وأتمنى أن تكون سؤالاته أكثر إحراجاً من لباقة الأسئلة المطروحة علي.

5 thoughts on “عبدالله العجيري: يجب أن تشكل الفطرة الأصل الضخم الذي ننطلق منه في تقرير مسألة الوجود الإلهي

  1. التنبيهات: engyasserj

  2. باسم الصالح

    لقاء جيد ومفيد، قرأته في إطار دراستي لدورة صناعة المحاور (الدفعة الخامسة). كان لقاءا طويلا بحكم محدودية الوقت للتوسع بالمراحع للمقرر ولكن آثرت إلا أن أكمله. أرجوا أن يكون عملنا هذا خالصا لوجه الله. لكم جزيل الشكر والتقدير.

    رد
  3. mohammad.sabry etman

    اقول لك ملحد …حسنا نعم هناك خالق للكون والحياة اسمه الله جل وعلا …نحن المومنون بهذا الاله نقول بهذا ..ونقول لكل ملحد هذا هو يقيننا فارنا انت يقينك …من اين اتى الهك و الى اين يسير بشرط ان تبرهن لنا عن كيف يتحكم الهك الذى اوجدته انت بنظرياتك المحدثة فى قضية الفطرة والابداع …وان رحلته بدءا من اتيانه ووصولا الى نهاية مطاف رحلته تشهد بانه الموجد والخالق

    رد

اترك رد