مشاري الشثري: “الغمرات” محاولة لترشيد القراءة الأصولية، لا لتنقية المدونة الأصولية.

من المثير للانتباه، أن ينشر كاتب شاب كتابه الأول، ثم تنفد الطبعة الأولى بعد أشهر معدودة من نشره. خاصة، وأن الكتاب يقع في حقل معرفي غير جاذب لقطاع عريض من القراء. لكن ربما كان هذا الأمر يشير إلى تأثير شبكات التواصل الاجتماعي، فالشيخ مشاري الشثري، سبق أن حقق على هذه المنصات شهرة نسبية بين المهتمين بكتاباته، التي تكون عادة في مجال العلم الشرعي، أو في ما يتعلق بالجوانب التربوية لطالب العلوم الشرعية. لكن هذا الأمر لا يقلل إطلاقًا من القيمة الموضوعية للكتاب، حيث حفل بمديح واسع على الانترنت، فيكفي أن تكتب في خانة البحث على تويتر: غمرات الأصول (وهو اسم الكتاب)، حتى تنهال عليك التقييمات، والقراءات، والاقتباسات. فالكتاب الذي اهتم بضبط أبواب هذا العلم، كان قد كتب بلغة بلاغية غير معهودة في الكتابات الأصولية المعاصرة، وبأسلوب يشابه الكتابات الفكرية. كما ضخ مؤلفه في صفحاته اقتباساتٍ كثيرة من المدونة الأصولية التراثية، قربت كلام العلماء وتحريراتهم إلى القارئ. كان هذا وغيره دافعًا لإجراء هذا اللقاء مع الشيخ مشاري الشثري، الباحث بمركز البيان للبحوث والدراسات (وهو الناشر للكتاب). أحب أن أشكر عددًا من المشايخ والأصدقاء، حيث أثرت مقترحاتهم هذا اللقاء، وهم مع حفظ الألقاب: سليمان العبودي، عبدالله الوهيبي، عبيد الظاهري، وعزام الغطيمل. والشكر موصول لضيف اللقاء، على سرعة تجاوبه، وتفهمه لملاحظاتي الفنية الكثيرة! والآن أترككم مع اللقاء:

فهرس
مشاري الشثري: الذي كان يسيطر عليَّ وأنا أسير في البحث هو محاولة ترشيد القراءة الأصولية، لا تنقية المدونة الأصولية.

متى وكيف تكونت لديك فكرة كتاب “غمرات الأصول” ؟

كان ذلك في صيف 1434هـ/2013م حين عزمتُ على الدخول في مجال التأليف من خلال استخلاص بعض القوالب المنهجية من المدونة الأصولية وتقديمها في ثوب جديد ينتفع به القارئ المعاصر، خصوصًا المشتغل بالمعارف الشرعية/الفكرية.

حقيقةً لم تكن الخارطة واضحةً لدي حينها، فلا الأوعية البحثية ولا سياقها كان بيِّنًا لي، لكني كنتُ على دراية بمدى غزارة المادة المنهجية في كتب أصول الفقه، فجعلت من وكدي محاولة إبرازها.

gamarat
الطبعة الثانية من كتاب الضيف: غمرات الأصول.

آثرت البداءة بقراءة متأنِّية لبعض الكتب المركزية لاستخراج الأطاريح والرؤى المنهجية منها، مع التركيز على الخيوط الكبرى بعيدًا عن تفاصيل المسائل وذيولها والمجادلات الواقعة في أعطافها، فبدأت بالمستصفى للغزالي، وقرأت بالتزامن معه مختصره لابن رشد، فكنت أقرأ الباب من المستصفى ثم أطالع مختصر ذلك الباب لابن رشد، فأفادني ذلك جدًّا، فإضافةً لعلو كعب الغزالي وبراعته الفائقة في نسج خيوط الأصول كان بجواره ابن رشد يمارس الاختصار بمهارة واقتدار، ولم يكن اختصاره مجرد حذف لهذه المسألة أو تلك، بل كان نمطه في الاختصار فريدًا، كان أشبه بتسجيل خلاصة مركزة من وحي فهمه للغزالي مع شفع تلك الخلاصة برؤاه المنهجية والنقدية، فكانت البداءة بهذين العلمين شرارةً لأبحاث الغمرات.

كانت هذه هي القراءة الأولى في طريق البحث، وخرجتُ منها بكثير من التقييدات المنهجية، وكنت أستحدث الأوعية شيئًا فشيئًا .. وبعد فراغي منهما شرعت في قراءة البرهان للجويني ومعه تعليق المازري عليه “إيضاح المحصول”، فطالعتهما بذات الطريقة المتقدمة، فأفدت من البداءة بهؤلاء الأعلام الأربعة أيما إفادة، وتشكلت لي من وحي القراءة المتأنية لنتاجهم النواة الأولى للكتاب.

أذكر إن لم تخني الذاكرة أني خرجت من تلك المرحلة بما يقرب من أربعة عشر وعاءً بحثيًّا، أفردت لكل منها ملفا خاصا، ولما أدرْتُ النظر فيها وتأملتها بدا لي أن يكون تقديمي للقوالب المنهجية على هيئة نقدية، لأن كلًّا من هؤلاء العلماء الأربعة قد قدم مجموعة من الرؤى المنهجية من خلال منطلقات نقدية لبعض المقرَّرات الأصولية، فكانت المسودة الأولى للبحث تحمل عنوان (مثارات الغلط في البحث الأصولي) ورتبتها على نحو ما صدر به الكتاب في صورته الأخيرة (مثارات الغلط في الوظيفة الأصولية، مثارات الغلط في المرجعية الأصولية …) وهكذا.

ثم بدأت بتطواف واسع على التقريرات الأصولية لجملة من الأعلام: الآمدي، ابن دقيق العيد، ابن تيمية، الطوفي، الشاطبي، القرافي، وغيرهم.

وكنت كلما تقدمت بي القراءة أجد الصورة الأصولية المنهجية في ذهني أكثر تكاملًا، ورأيت أن في تقديمها على هيئة “مثاراتِ غلطٍ” بخسًا لما تحصَّل لي، إضافةً إلى أنَّ تقديم الكتاب في أوعية بنائية أقرب إلى إفادة القارئ من تقديمه له على هيئة مثارات نقدية متفرقة، فالبناء يحمل طابع التكامل والتآزر، وأما النقد فلا يرتبط بذلك ضرورة، بل قصاراه أن يكون تثويرًا لبعض محال النقد هنا وهناك .. لذلك أدرت كفة البحث ليكون مسلَّطًا على جوهر البناء المنهجي الأصولي فكان كتاب الغمرات.

 

 

شهد علم الأصول عبر تاريخه محاولات عديدة لتنقيته من الداخل عليه. برأيك، هل لهذه المحاولات آثار في النتاج الأصولي اللاحق؟

بما أن الحديث عن الغمرات فقد قرأ بعضهم الكتاب على أنه محاولة لتنقية علم الأصول من الداخل، وهذه قراءة غير دقيقة، فلم يكن همِّي في الحقيقة محاولةَ التنقية تلك .. نعم، علم الأصول قابلٌ لهذه المحاولة، لكن شيئًا من ذلك لم يكن مقصدًا في كتابة الغمرات، الذي كان يسيطر عليَّ فيما يتعلق بهذا الموضوع وأنا أسير في البحث هو محاولة ترشيد القراءة الأصولية، لا تنقية المدونة الأصولية، وذلك لقناعتي الراسخة أن علم الأصول مع ما ناله من امتزاج بعلوم ومناهج طارئة عليه، إلا أنه لا فكاك لمريد التحقيق في هذا العلم من دراسة المدونة الأصولية في وضعها الحالي .. من العسير جدًّا أن يكون ثمَّ أصوليٌّ فذٌّ دون أن يمضغ بمنطقه إحكام الآمدي ومحصول الرازي مثلًا.

وقد أخذ بعضهم ذلك من خلال الاستعراض الذي كتبتُه في مبحث العواريّ، ولكن الشأن ما قدمته، ولذلك ذكرت في ختم هذا المبحث أن غرضي لم يكن الصرف عن المدونة الأصولية، وإنما هو تنبيه المطالع للكتب الأصولية على طبيعة هذه العواري، ليتمكن من تمييز المناطق الصلبة في هذا العلم، ولتنضبط له علائق علم الأصول ومهامه الأصيلة، وما ينبغي أن يكون ممثلًا له حين التعبير عنه.

وأما ما يتعلق بالمحاولات التاريخية لتنقية علم الأصول من الداخل فالمستقرئ لواقع الكتب الأصولية لا يكاد يظفر بشيء من ذلك، فضلًا عن أن يكون له آثار في النتاج اللاحق، ولذلك قلتُ في إحدى سياقات الكتاب أن رسالة الشافعي فتحت باب التصنيف الأصولي الخالص وأغلقته بآخر ورقة منها.

477
كتاب الموافقات للإمام الشاطبي.

نعم تتفاوت الكتب الأصولية في مدى التشبع ببعض المسائل والمناهج الدخيلة على هذا العلم قلةً وكثرةً، إلا أنَّ شيئًا منها لا يمكن أن يمثِّل محاولة جادة لتنقية هذا العلم من الدخيل عليه، إلا أن يكون الشاطبي في موافقاته، فقد كان على بَصَرٍ بهذا التداخل، وأشار إليه في كتابه ونبه عليه، وكتابه مقارنة بغيره أسلم في باب الإدخال الأصولي، إلا أنه لم يَسِرْ فيه على الترتيب الأصولي العام، ولم يستوف به الأبواب والمسائل الأصولية، ولم يقارِبْ، ثم إن كتابه هذا غائر الذكر في مسيرة علم الأصول، ولم تبرز العناية به إلا في القرن الماضي، وقلما تجد له ولأبحاثه ذكرًا في الكتب الأصولية اللاحقة عليه.

 

 

 

لا تخطئ عين المطالع للكتاب اهتمام مؤلفه بآراء الجويني رحمه الله، والعناية الخاصة بتحريراته .. لم الجويني؟

ربما كان للبداءة به على نحو ما ذكرته في جواب السؤال الأول أثرٌ في ذلك، فلآراء الجويني وتحريراته قصب السبق في تشكيل خارطة الكتاب، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فإن للجويني امتيازاتٍ علميةً قلَّما تحققت في غيره، وهذا ما دفعني للنهلِ من كتابه والعبِّ منه، فهو أصوليٌّ صميم، وكتابُه البرهان أحد العُمَد التي قام بها هذا العلم واستوى، وما ذلك إلا لأن الجويني أراد من كتابه هذا أن يكون تحريرًا لمسائل هذا العلم ودلائله، لا مجرد عرض لمختلف الآراء وأدلتها، فبخبرةٍ واسعةٍ بمختلف الآراء الأصولية، مع حاسَّةٍ نقديَّةٍ عاليةٍ، وذهنٍ نفَّاذٍ على المعارف وحقائقها = استطاع الجويني أن يجعل من كتابه أصلًا متينًا من أصول هذا العلم.

كتاب البرهان للإمام الجويني.

والجويني جريء في أطروحاته، لا يكاد يلفته عن جرأته شيء، بل يملي رأيه دون أن يكون مسكونًا بموافقة أحد أو مخالفته، حتى قال له أبو القاسم السياري مرةً: (أنت تخرج على كل أحد حتى على أبيك!) قارِن هذا بصنيع التاج السبكي مع والده!

وهذه الجرأة ليست منفلتةً، بل هي موزونة بامتلاء علمي جعلت من جرأته نبعًا فيَّاضًا للكثير من التحريرات، ولذلك فهو عظيم الثقة بنفسه سخيٌّ على تحريراته بالإشادة، وهو لذلك أهل .. اقرأ له مثلا قوله في البرهان: (وأما النسخ فسنأتي فيه بالعجائب والآيات!).

ومن جهة ثالثة فإنَّ للجويني لغةً آسرةً، ولألفاظه رونقًا وجزالةً، وهذا يضاعف من مكاسب النقل عنه، فأنت تقرأ المعلومة المحقَّقة في كساء فاخر.

هذا عن الجويني الأصولي، ونحوه الجويني الفقيه، أما الجويني الأشعري فله مزالق ونكبات أتت بالنقص على بنائه العقدي أضرَّ بشيء من بنائه الأصولي، كما كانت له جرأة على الحقائق في مسائل الاعتقاد أوقعته في شَرَك الفلاسفة تارة والمعتزلة تارات.

 

 

هل الفجوة بين الأصول والفروع قابلة للردم، أم أننا في حاجة إلى بناء جديد يتلافى هذه الفجوة؟

نعم هناك فجوة، ولكننا لسنا بحاجة لبناء جديد، فكل الإمكانيات الواصلة بين الفقه والأصول متاحة مبذولة، وفي التاريخ العلمي شواهد عالية لذلك الردم، تجدها عند مثل ابن تيمية وابن دقيق العيد والجويني وأضرابهم بله الأئمة الأربعة والمحققين من أتباعهم .. لكن تلك الإمكانيات في عصرنا تحتاج أصوليًّا فقيهًا، فما آفة الأصول والفروع من ذاتها ولا من مدوناتها، ولكنها من غياب الأصولي الفقيه الذي يحسن القراءة في مدونات الفقه والأصول على حدٍّ سواء، ولا يحيف على أحدهما بالميل لصالح الآخر، لذلك فنحن لسنا بحاجة إلى بناء جديد لردم تلك الفجوة، ولكننا بحاجة إلى أصوليٍّ يقيم بناءه بلبنات الفقه، وفقيهٍ يشد فروعه بحبال الأصول.

 

حرصت في الكتاب على الدعوة المتكررة للعودة إلى العناية برسالة الشافعي رحمه الله، خاصة وأنها سبقت عمليات الإضافة والإدخال على علم الأصول، وقد قلت بأنها “فتحت باب التصنيف الأصولي الخالص وأغلقته بآخر ورقة منها”! .. ما الذي ينقصنا للعودة إلى (الرسالة)؟

رسالة الشافعي زيادة على كونها تصنيفًا معرفيًّا محرَّرًا فهي تاريخٌ قبل ذلك، فالعناية بها ضرورةٌ ملحَّةٌ لكل مشتغل بالتراث الإسلامي عمومًا، وبالفقه والأصول خصوصًا.

ولْأصارحك، فإني لا أحب مصطلح (العودة) في هذا السياق، وأرجو أني لم أستعمله في كتابي، لإيحائه التزهيدي الخفي بالكتب المصنفة بعده، ولكني أفضِّل مصطلح (الاستهداء) بدلًا عنه، فنحن بحاجة إلى الاستهداء برسالة الشافعي حين إرادة التحقيق في علم الأصول على مستوى المسائل والدلائل، وحين إرادة خلق تصور عن طبيعة التصنيف الأصولي الراشد، وحين إرادة الإبانة عن المؤهلات اللازم تحققها في المتصدّي للتأليف الأصولي تحريرًا وخطابًا وجدالًا، كل ذلك وغيره مما تهدينا إليه رسالة الشافعي، فليس الأمر إذًا قصرًا على كونها امتازت بالتصنيف الأصولي الخالص.

219
كتاب الرسالة للإمام الشافعي.

نعم، لن تجد في رسالة الشافعي مسائلَ تعدُّ من فضول العلم، ولا ما تستطيع معه الحكم بأن هذه السطور دخيلة على هذا العلم، ولكن الأهم من ذلك أنك ستجد فيها بناءً علميًّا محققًّا أقامه إمام من أفراد الزمان علمًا وعقلًا، وهي نتاج خبرة عملية جعلت من كلِّ مقرَّراتها رهنًا للتنفيذ، وإذا قرأنا المسيرة العلمية والعملية للشافعي واستحضرنا طبيعة الحركة العلمية التي سبقت وزامنت حياة الشافعي أدركنا لماذا تهادى علماء تلك الحقبة على الإشادة بالرسالة، وأدركنا أي أثر لها على علماء ذلك العصر، وعلى النهوض بتلك البيئة العلمية التي كانت مهادًا للتحقيق العلمي الكائن بعدها. فأنت ترى في كلماتهم عن الشافعي ورسالته مفرداتٍ دقيقةً تكشف لك طبيعة التأثير التي أحدثته، من نحو قول الإمام أحمد: (كان الفقه قفلًا على أهله حتى فتحه الله بالشافعي). وهو الذي قال لعبدالملك بن عبدالحميد: (لم لا تنظر في كتب الشافعي؟) قال له: يا أبا عبد الله نحن مشاغيل، فقال له الإمام أحمد: (فكتاب الرسالة فانظر فيها، فإنها من أحسن كتبه). وقول الحميدي: (كنا نريد أن نرد على أصحاب الرأي، فلم نحسن كيف نرد عليهم حتى جاءنا الشافعي ففتح لنا). وقول حسين الكرابيسي لما سئل عن الشافعي: (ما أقول في رجل أسدى إلى أفواه الناس الكتاب والسنة والاتفاق .. ما كنا ندري ما الكتاب والسنة نحن ولا الأولون حتى سمعت من الشافعي الكتاب والسنة والإجماع). وقول ابن مهدي لما قرأ كتاب الرسالة: (هذا كلام رجل مفهِّم).

هذه العبارات بما تحويه من مفردات متعلقة بالفتح والفهم والإسداء إلى الأفواه تكتنز كثيرًا من المعاني التي من أجلها كانت الرسالةُ الرسالةَ، ومن أجلها كانت العناية بالرسالة والاستهداء بها والتربية عليها من ضرورات التجديد العلمي المنشود .. علينا إذًا أن نقرأ الرسالة بعينٍ تلاحظ ذلك كله، هذا الذي ينقصنا تجاه الرسالة.

 

 

ما هو تقييمك للواقع الأصولي المحلي؟

سؤال ثقيل لا أحب أن أجازف بالجواب عنه في حوار موجز، فالواقع الأصولي المحلي يحتاج تقييمه إلى رصد واستقراء دقيقين، ومع ذلك فبالإمكان الإشارة إلى بعض الظواهر:

منها ما يمكن تسميته بالاستغناء بالنظرية واجتواء التطبيق، وهو ما تقدمت الإشارة إلى شيء منه من ضعف الرابطة الواصلة بين الفقه والأصول، فمع أن هذه الإشكالية قديمة نسبيًّا وليست من مستجدات هذا العصر، إلا أنها في البيئة العلمية المحلية، بل في البيئة العلمية المعاصرة المحلية وغيرها، أكثر تمكُّنًا وأشد انتشارًا مما مضى، وبدلًا من وضع وسائل التكامل بين علمي الفقه والأصول نجد أن وسائل الفك بينهما أكثر حضورًا، ومع أن هناك دراسات أكاديمية كثيرة حاولت تجاوز هذه العقبة، إلا أن هذا النشاط الأكاديمي يظل محدودًا، ولم ينتقل ليكون سمة في البيئة العلمية، لا في مصنفاتها ولا في أفرادها. الكلام نفسه ينطبق على الضفة الأخرى، أعني تخصص الفقه، فكثير من المشتغلين بالفقه أجانب عن علم الأصول، وطائفة ليست بالقليلة تتخذ موقفًا سلبيًّا من علم الأصول، وترى التوسع فيه ضربًا من الترف العلمي، وهذا يباعد بين البيئة العلمية والرشد في هذا الباب.

ومن تلك الظواهر: قلة الدراسات المنهجية الأصولية، الأكاديمية وغيرها، والتهالك الكبير على الدراسات المتعلقة بآحاد المسائل، وهذا يتقاعد بالبيئة العلمية عن الخطوات التحريرية على مستوى العلم ومصنفاته، ولا أعني بذلك التزهيد في أهمية الدراسات المتعلقة بآحاد المسائل، فهي من الضرورة بمكان، إلا أن غلبتها على الدراسات المنهجية المتعلقة بتحرير العلم وقضاياه المنهجية ليس من صالح البيئة العلمية، وهذه الظاهرة لا تختص علم الأصول، بل هي حاضرة في غالب التخصصات.

ومن تلك الظواهر على مستوى الأفراد: ضعف الارتباط بالكتب المؤسِّسة لهذا العلم، والاشتغال ببعض الشروح المعاصرة والاكتفاء بها، فكثير من الطلبة يقفون عند حد دراسة أحد المتون المختصرة جدًّا مع قراءة شرح له، فإن جاوزوا أخذوا متنًا مختصرًا آخرَ أوسع منه قليلًا وتوقفوا، ولا يخفى ما في شيوع الاستغناء بهذا الحد من التحصيل الأصولي من ضرر بالغ على الحالة العلمية.

هذه بعض الظواهر، وثمة غيرها، والمأمول من الجمعيات والكليات المتخصصة أن تُعنَى بالجواب عن هذا السؤال المتعلق بتقييم البيئة العلمية، وذلك ليكون هذا التقييم شرارةً للنهوض بالبيئة العلمية على نهج محكم.

٢٠١٦-٠٨-٢٥ ٠٦.٤٩.٣٠
والد الضيف، الأستاذ سعد الشثري، محتفيًا بكتاب ابنه في معرض الكتاب بالرياض.

وجد عدد من قراء الكتاب صعوبة في لغته، واستخدامًا في بعض الأحيان تعبيرات فكرية غريبة على اللغة العلمية. هل ترى لغة الكتاب مناسبة لمقصوده؟

أما الصعوبة فلا أنكرها، كما أني لا أتكلَّفها كما يظنه بعضهم، وأحاول جاهدًا أن أتخفف منها في عموم ما أكتبه، ولكن الطبع يغلب التطبع كما يقال.

أما استخدام بعض التعبيرات الفكرية الغريبة على اللغة العلمية فالذي أزعمه أن اللغة العلمية لعلمٍ ما ليست حكرا على المفردات المستعملة في كتبه، فالكتابة العلمية تخضع لمعطيات، من أهمها مزاج القارئ المستهدف، ولما كنت أريد من هذا الكتاب أن أخاطب به المشتغلين بالحقل الشرعي/الفكري لا جرم أنِّي وظفت فيه جملةً من التعابير والأوعية الفكرية، فهذا هو اللسان الذي قدَّرت أنه يليق بكتابٍ كهذا .. المهم ألا يكون في هذا التطويع لتلك المصطلحات والتعابير إخلالًا بالمقصود العلمي، وهذا ما أرجو أني سعيت في تفاديه.

 

في الكتاب آراء تتسم بالجرأة في التعاطي مع المصنفات الأصولية وأصحابها. البعض يرى أن هذه الجرأة غير مناسبة مع الكتاب الأول لباحث في مقتبل عمره العلمي. ما رأيكم؟

الجرأة متى ذُمَّت فهي غير مناسبة مع الكتاب الأول ولا مع الأخير، لا في مقتبل العمر ولا في خاتمته، فالاتزان العلمي يطالب به كل متصدٍّ للإقلال بأعباء هذا العلم .. هذا من حيث الجملة، ولا شك أن مَن كان في مقتبل عمره العلمي فلا بد أن يكون أكثر اتزانًا في تعاطيه العلمي، ولا بدَّ أن يكون في طرحه من الضمانات ما يقطع به دابر الحسم المتهور للتقييمات المتعلقة بالمناهج والمصنفات وأصحابها، ومن هنا فقد حرصت ألا يخلو نقدٌ تضمنه الكتاب من شهادة أحد الأعلام عليه، هذا في الغالب، ومع أنه ليس بشرط في قبول النقد العلمي، إلا أني حرصت على ذلك تقويةً للآراء المضمنة في الكتاب، ولدفع ما عسى أن يُلام به الكاتب.

نعم، أعترف أن هناك مواضعَ قليلةً استطالت فيها الفكرة واتسعت خُطى العبارة، وهو ما حاولت القيام بإصلاحه في الطبعة الثانية، وما زلتُ – ولن أزال – أُعمِل يد الإصلاح في مضامين الكتاب.

 

كلمة أخيرة.

ليس إلا الشكر لك على إتاحة هذه الفرصة للحديث عن الكتاب وبعض قضاياه، فأمثال هذه الحوارات تستبدُّ بلونٍ من المعلومات لا يمكن إذاعته إلا من خلالها .. وأسأل الله تعالى أن يكون فيما قدمته من إجاباتٍ وفاء ببعض ما يطمح إليه القراء الكرام.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s