فؤاد الهاشمي: الشائع اليوم بحث المسائل القديمة بمعزل عن المسائل العصرية، وهذا خلاف صريح الفقه.

لا يكاد يمر يوم على المتابعين له في تويتر، إلا وهم يقرأون تغريدات جديدة له عن البحث الشرعي، وتطويره، ومقترحات عملية ومثالية لإصلاحه. وهي ليست مقترحات عائمة في الفضاء التقني، بل لها وجودها على أرض الواقع، حيث يقوم الدكتور فؤاد الهاشمي بعقد ورش ودورات متخصصة في تأهيل الباحثين وتطوريهم، ويعضد هذا بأبحاثه الشخصية، التي نتناول اليوم أحدها في هذا اللقاء، على أمل بلقاء آخر يحدثنا فيه الدكتور عن باقي نتاجه. كل الشكر للدكتور فؤاد الهامشي على تكرمه بالموافقة على هذا اللقاء، واستقطاعه من وقته المزدحم للإجابة على أسئلتنا، والشكر موصول للشيخ مشاري الشثري على إثراءه ودعمه، والآن أترككم مع نص اللقاء:

421977_587228244635463_142580928_n
فؤاد الهاشمي: نعاني من غياب  مجتمعات بحثية صحية ينمو فيها الباحث، ويصقل فيها مهاراته.

من الملاحظ في كتابكم مشكلات المفطرات، حكاية الخلاف الفقهي في صور اتجاهات ومسالك تتضمن عددًا من الأقوال، لا على الطريقة المعهودة من سرد الخلاف من خلال أقوال المذاهب الأربعة وما يلحق بها. هل هناك منهجية واحدة في حكاية الخلاف؟ أم أن كل مسألة لها ظرفها، ولكل منهج له إيجابياته وسلبياته؟

أولا: كل مسألة لها طبيعتها الخاصة التي تتشكل فيها، فالمسألة هي التي تفرض المقاس المناسب لها، لا أن تكون هناك قوالب حديدية تفرض بالسلاسل والأغلال على كل المسائل بكافة المقاسات مهما كان طولها وعرضها.

DA8hj9yXsAoU7Fk
كتاب الضيف: مشكلات المفطرات.

ولذا فمجلس القسم يقوم بترقيم وختم جميع صفحات الخطة، حتى يأمن من التقديم أو التأخير أو التغيير، ولم يبق إلا أن يختم على جبين الباحث!

هذه الفلسفة تخالف طبيعة الخطط، فخطة العمل، من صفاتها أنها متغيرة، بحسب المتغيرات وما يكتشفه الباحث، فيجب أن تخضع الخطة للتعديل المستمر.

ثانيا: البحوث عادة تمر بمرحلتين: مرحلة بحث، ومرحلة إعادة ترتيب وعرض، فالأول شغل الباحث، والثاني شغل المصنف، فأصول البحث تحقق نتائج البحث، وأصول التصنيف تحقق الشكل المناسب لعرض نتائج البحث، وكثير من المؤلفين يغلب عليه العناية بإحدى الحرفتين، فتنحط رتبة كتابته بمقدار.

أخيرا: الزمن، فالمسألة الواحدة من مسائل البحث، يستغرق بحثها أياما، وأسابيع، إلى شهور، وتظل تخضع للمراجعة عبر السنين، ولذا مشكلات المفطرات الآن لم تعد ستة، بل هي سبعة، حصل لها انقسام في أحد خلاياها.

تشكل الأبحاث التي يتضمنها كتابكم مشكلات المفطرات، خروجًا عن النمط المعهود للبحث الفقهي الأكاديمي، بدايةً من العنوان ومرورًا بمنهجية البحث وخطته وطريقة التوثيق، وانتهاء بخاتمة البحث المتضمنة للنتائج، هذا يقودني إلى سؤالك عن رؤيتك الخاصة لواقع البحث الفقهي الأكاديمي، وهل يمكن معالجة مشكلاته؟ أم نتجاوزه عمليًا ونشجع البحث خارج أسواره؟

الباحث المحترف يحسن البحث في الزوايا الضيقة ببراعة، ولا تزال أسوار الجامعات – على ما فيها – هي البيئة المهيئة للبحث العلمي، فهي سوق البحث، ومحل اكتشاف الباحثين.

c6gznciwqaad0ng-e1496058614204
ضيف اللقاء في إحدى الدورات التي يقدمها مركز دارس.

ويمكن تطوير البحث العلمي فيها بوتيرة أسرع، فلا تخلو عامة الجامعات، من المبدعين في صناعة البحث العلمي، لكن حضور هؤلاء في التأثير ضعيف ومحدود ومؤقت، هؤلاء القلة يمكن أن يكونوا أدوات الإصلاح والتطوير إذا زادت جرعات الإرادة والإصرار والإلحاح مع قليل من التنسيق والإدارة، ترافقها جدية في تقديم مقترحات عملية.

تشرفون على مركز دارس الذي يقدم خدمات عديدة للباحثين، من ضمنها باقة متنوعة من الدورات التدريبية، ما الواقع البحثي الذي وقفتم عليه من خلال هذه الدورات؟ وما الأثر الذي أحدثته في هذا الواقع؟

الواقع الذي اكتشفته أن حجم الباحثين الجادين من أعيان طلبة العلم، المتفانين في الطلب والبحث، كثير ولله الحمد، لكن المستوى البحثي لهم لا يتناسب مع مستواهم العلمي، فمثلا يكون مستواه العلمي 90% ومستواه البحثي 30% مفارقة كبيرة جدا، ولا ينقصهم من الجدية أو الإرادة أو القدرات أي شيء.

C6rKIfyWYAEOTH2
صورة لبعض المشاركين في دورات مركز دارس.

وسبب هذه المفارقة: غياب النماذج البحثية التي يحاكونها، وندرة الأساتذة المتمرسين على البحث، الذين يأخذون بأيديهم في مراقي البحث، ويصححون أخطاءهم، ويصحبونهم عند عثراتهم، وأخيرا، وهو الأهم، عدم وجود مجتمعات بحثية صحية ينمو فيها الباحث، ويصقل فيها مهاراته.

تقدم الشبكة الفقهية من خلال برامجها المتنوعة فضاءً افتراضيًا للمهتمين بالمجال الشرعي، ما أهمية هذا الفضاء في نظرك، وكيف يمكننا تحفيز الآخرين في التفاعل داخله، خاصة في ظل الجذب الحاصل في مختلف منصات التواصل الاجتماعي؟

هناك طفرة في القنوات الإلكترونية، لكن الذي أشعر به أن الباحثين وطلبة العلم يبحثون عن شخص بشري، إنسان بلسان، يكون له حظ من العلم، فيتداولون معه أطراف الحديث، فالتقنية قدمت كل شيء، الكتب، اللقاءات، التسجيلات، المنصات، طالب العلم الآن لا يبحث عن كل هذا، إنما يبحث عن مذاكرة حية للعلم مع أهله.

ولذا فأتمنى من القائمين على المواقع والمنصات والبرامج، الاهتمام بهذا الجانب الحيوي، فهي الحاجة الملحة التي بات طالب العلم يتلهف عليها.

أود أن أسألك في ختام هذا اللقاء عن اهتماماتك البحثية الحالية، وجديدك القادم.

حاليا، لا أزال في الدورة الأولى من صناعة البحث العلمي، في ماهية البحث، وصفات البحث (في القلب، والدماغ، والجهاز العصبي)، والهمة متجهة إلى استكمال حلقات الدورة في الشهور القادمة بعون الله وتوفيقه، ونتمنى أن تنتهي إلى برنامج عملي مكتمل في صناعة البحث العلمي.

كلمة أخيرة؟

بخصوص مفطرات الصيام، فالشائع اليوم بحث المسائل القديمة بمعزل عن المسائل العصرية، وهذا خلاف صريح الفقه، ينبغي أن تبحث المسائل في كتلة واحدة، في صبة واحدة، كما هي طريقة الفقهاء، فكانوا يدرجون النوازل في صلب تقريراتهم الفقهية في مظانها بدقة، وليس استطرادا أو إقحاما.

الأمر الآخر، مفطرات الصيام تدور على ثلاثة أشياء: الجوف، والمنافذ، وصفات العين المفطرة، إذا تم ضبط هذه المدارات الثلاثة أمكن ضبط جميع مسائل مفطرات الصيام، القديم منها والحديث بدون فرق، إضافة إلى ضبط اتجاهات الفقهاء.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s