أرشيف الكاتب: حسّان

عن حسّان

خيارنا الأمل.

صندوق يناير 2019

لقد انقطعت عن الكتابة على المدونة، وتراكم الغبار على لوحة المفاتيح، ها أنا ذا أنثره أثناء نقري على الأزرار. كنت أظن أن فترة انقطاعي عن التدوين لم تجاوز بضعة أشهر في أسوأ الأحوال، عدت إلى آخر تدويناتي أذان، وانتبهت أن تاريخ كتابتها هو 20 فبراير 2018م! لقد مضى عامٌ كاملٌ يا صديقي! تحدثت عن هذا العام المثير في منشور صغير على حسابي بالانستقرام، وكنت قد سميته بـ سنة الورق.

أحاول العودة إلى الكتابة من خلال التدوينات الشهرية، أختار حدثًا ما، تجربةً، كتابًا، مقطعًا … إلخ وأحاول كتابة تدوينة ملائمة كل شهر ميلادي بحول الله.

المعرفة الأكشنية!

يأخذ بعض النقاد على مخرجَيْ المسلسل الأخوين واي، تركيزهما على دائرة القرار الضيّقة، تحديدًا شيلا وحاشيتها، مغفلين سكان راجنيشبورام ممن تركوا عائلاتهم وحيواتهم، وعملوا بجدّ لتحقيق تصوّر راجنيش عن المجتمع المثالي. يبرّر المخرجان في مقابلة صحافيّة ذلك الإغفال المتعمّد، بكونهما اضطرا إلى إلغاء جزء يتحدّث عن حياة السانيازيين وطقوسهم اليوميّة، كي لا يكسروا إيقاع العمل. فالمسلسل لا يبتغي تقديم إجابات قطعيّة كاملة عن تيّار باغوان، بل كانت أولويّته من الناحية الإبداعيّة، تشييد حبكة مثيرة شبيهة بأفلام الجريمة والعصابات

سناء الخوري – وايلد وايلد كانتري: هذه ليست قصة حقيقية.

لفتني هذا المقطع من مقالة سناء الخوري عن المسلسل الوثائقي “بريّة موحشة جدًا”، والذي بثته منصة نتفلكس عن المعلم الهندي باغوان، المعروف لاحقًا بلقبه أوشو، وحركته في أميركا التي جاءت في سياق حركات العصر الجديد في ثمانينات القرن الماضي. شاهدت المسلسل قبل قراءة المقالة، وبعدما قرأتها لاحظت فعلًا أن المسلسل لا يوثق أفكار الحركة بقدر ما يوثق الحدث في سياق درامي شبيه بمسلسلات الجريمة التي تبثها المنصة.

لا أعرف الكثير عن حركة باغوان، ولا عن أفكاره ومشروعاته، وبالتالي لست متيقنًا من شكوكي تجاه الصورة غير العقلانية التي عرضتها نتفلكس له ولمجتمعه في أميركا. لكني شاهدت مسلسل Manhunt على منصة نتفلكس أيضًا، وهو مسلسل درامي يحكي قصة مفجر الجامعات والطائرات، والذي كان يرسل قنابل مصنوعة يدويًا وذات تفجير عال، إلى أساتذة الجامعات والطائرات، من أواخر السبعينات وحتى أوائل التسعينات، وبعد مفاوضة مع الحكومة توصل إلى اتفاق يقضي بنشر بيان خاص له في الصحف، مقابل وقف إرسال القنابل، وقُبض عليه لاحقًا بعد فكرة عبقرية من أحد فريق التحقيقات، والذي اقترح الوصول إليه من خلال البصمة اللغوية!

على الرغم من زعم المسلسل سرده لحكاية مفجر الجامعات تيد كازينسكي، إلا أنه يدور في أغلبه حول الضابط الذي ابتكر فكرة الوصول للمجرم من خلال البصمة اللغوية، عن إصراره لإثبات نظريته، علاقته بالمجرم، وتأثره بأفكاره، وانهيار حياته الاجتماعية، تقلباته ووصوله في النهاية إلى الولاء لأميركا ومجتمعها. في أثناء ذلك يعرض المسلسل صورة غرائبية عن المجرم ودوافعه، يظهره كمهووس وهائم وغير عاقل، ثيابه رثة ومتسخة، ملامحه مثيرة للشفقة ويبدو عليه الإجهاد دائمًا، ولا تعرض أي فكرة من أفكاره، ولا مقطع كامل وواضح من بيانه الأخير الذي نشره.

تيد كازينسكي كما عرضه المسلسل

أثناء تنقلي بمعرض جدة في ديسمبر المنصرم، وجدت أن دار تكوين الكويتية قد نشرت ترجمة لبيان كازينسكي الأخير والذي سماه “المجتمع الصناعي ومستقبله”، اشتريت نسخة وقرأتها لاحقًا في بيت أرحامي النائي عن الضجيج، والمطل على وادي عتود في خميس مشيط، كان مكانًا ملائمًا لقراءة كتاب كهذا!

لم أعد أحب القراءة لنقاد الحداثة، أختنق من كلامهم، أحس بانقباض من قراءتهم لحالتنا قبل الحداثة وأثرها علينا فيما بعد، يبدو كلامهم مسطحًا رغم لغة تبدو عميقةً بشكلٍ ما، إنهم يتحدثون عن الحداثة كشتيمة!

هل بيان كازينسكي يندرج تحت قائمة الكتابات التي تنقد الحداثة؟ لا أدري. يبدأ تيد كازينسكي بيانه بنقد اليسار! ويستفيض في شرح أسباب عدم التعويل على الحركات اليسارية في إنقاذ المجتمعات، وأزمة اليسار فيما آل إليه من دعم حركات حقوقية في جزر متفرقة مثل حركات البيئة والنسوية والأقليات الدينية. ويتحدث عن أزمة المجتمع الحديث بعد الصناعة، ومآزق الحياة في ظل التطور التقني المتسارع على جميع الأصعدة، ويقترح بعد تبرير طويل أن نعود للعيش في الغابات وسط أحضان الطبيعة من غير تكنولوجيا.

كل عمق أفكاره لم يظهر في المسلسل طبعًا، ويمكن تقديم أعذار مختلفة لمنتجي المسلسل، لكن لاحظت أن عددًا من متلقي المنتجات التي تعرضها نتفلكس، يتحدثون عما شاهدوه كمعارف وقضايا، دون الرجوع لمصادر المواد التي أُخرجت في حبكات درامية مثيرة وممتعة، لكنها تعطي تصورات ناقصة ومشوهة، بل وزائفة.

أذان

 

تبدو حكاية ولادة الأذان مثيرةً للاهتمام رغم اشتهارها، فمع قدم فرض الصلاة في تاريخ الإسلام، إلا أنّ الأذان لم يُشرع إلا عقب انتقال النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة.

كان الناس يجتمعون هكذا في المسجد عندما يحين وقت الصلاة، في عالم اندمج أهله مع ما حولهم من الكائنات التي يلتمسون في حركاتها دليلًا على دوران الزمن، فالنور وظلّه مثّلا عقارب ساعة كبيرة يعيش الناس في أرجاءها. 

غير أنّ شيئًا ظلّ يعتمل هناك في جوف النبي صلى الله عليه وسلم، دفعه إلى مشاورة أصحابه لابتكار طريقة يُنادى الناسُ بها للصلاة، يقترح واحد أن تُنصب راية يراها الناس إذا حان وقت الصلاة، لكن لا يعجب ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، فيشير الثاني إلى البوق والثالث إلى الناقوس، فيقول رسول الإسلام صلوات الله وسلامه عليه: هو من أمر اليهود .. هو من أمر النصارى، ينصرف الناس بلا نتيجة محددة. غير أنّ صحابيًا من الأنصار، كان قد حضر بيعة العقبة الثانية، ذهب إلى بيته وهو مهمومٌ من همّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعتمل في نفسه دويّ همّ حبيبه المصطفى عليه الصلاة والسلام، فبينما عبدالله بن زيد الأنصاري في حيرةٍ من أمره، بين يقظته ونومه، إذ يرى رجلًا يرتدي ثوبين أخضرين، يلفت الصحابيّ همّه إلى ناقوس في يد ذلك الرجل فيقول: يا عبدالله .. أتبيع هذا الناقوس؟

Müezzin

قال: وما تصنع به؟

قال: ندعو به إلى الصلاة.

قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟

قال: وما هو؟ .. فعلّمه الأذان!

فأتى عبدالله بن زيد رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما رأى، فيفرح! ويلفت إلى أصحابه متهلل الوجه يقول: ((إن صاحبكم قد رأى رؤيا، فاخرج مع بلال إلى المسجد فألقها عليه، وليناد بلالٌ؛ فإنه أندى صوتاً منك)). فبينما بلال يجهر بكلمات الأذان بعد سماعها من ابن زيد، إذا يسمعها رجلٌ مُلهَم، عمر! رضي الله عنه .. فيخرج إلى صاحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم يجرّ إزاره، يقول له: والذي بعثك بالحق! لقد رأيت مثل الذي قال. فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فلله الحمد)).

 

360px-Bilal

لم يك إذن مجرّد نداء له ما يشابهه في الديانات الأخرى، كان علامةً على الصلاة، أو علامةً على الإسلام عندما ندقق أكثر. فالبوق والناقوس لم يعجبا رسول الله صلى الله عليه وسلم لمجرّد ذوق شخصي، أو خلل فني، بل كانت هذه الآلات من أمر اليهود والنصارى، وكان يبحث عن شيء يكون من أمر الإسلام. كان وما زال علامةً على الإسلام إذن، ولو دققنا أكثر لوجدناه أشبه ما يكون بقطع الإسلام الأخرى، تلك التي تمثّل “الكلمة” جوهرتها الأساسية المميزة لها عن غيرها. ففي الوقت الذي كانت “التماثيل” تتهاوى قطعها في أفياء مكة، كان بلال يصدح بـ”كلمة” الأذان من فوق الكعبة.

انتقل الأذان إلى آذان الناس من أفواه المؤذنين، من جوار المساجد أول الأمر ربما، إلى أسطحها، مآذنها لاحقًا، وعبر مكبّرات الجوامع والمصليات والزوايات، حتى سمّاعات المذياع والتلفاز، وصولًا إلى الساعات الرقمية وتطبيقات الجوّال والحاسوب ومختلف الأجهزة الذكية بشكل عام. وسمعه الناس في البيوت، والأسواق، والملاعب، والحارات، والمنتديات، والمعارض، والمطارات، والحدائق، والمعتقلات، والطائرات، وعلى ظهر الباخرة وفي جوفها، وعلى مدار الكرة الأرضية، في مختلف طقوسها وتضاريسها. يأخذ هذا الأذان من حلّة كل بلد فيرتديها، أو تتحلى هي به إذا رمنا الحقيقة، فيكون الأذان مكيًا، ومدنيًا، ونجديًا، ويمنيًا، وشاميًا، وعراقيًا، ومصريًا من ألف مئذنة في القاهرة، ومغاربيًا من ألف مدينة 

flat,1000x1000,075,f.u2

وقرية وبادية، ومن سيف البحر على الخليج، إلى شواطئ الحبر الأحمر من ضفتيه، ويخرج هنديًا فارسيًا صينيًا تركيًا أوروبيًا أمريكيًا خاشعًا تتلوّى به ألسنة الأعاجم بحروفه وكلماته، فيشعّ في الأرجاء نورٌ ما زال ينساب عبر الأثير من المرّة الأولى التي صدح بها بلال بعد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان الأذان وما زال منسجمًا مع كل هذه الأعراق واللغات واللهجات والمقامات الصوتية. يرفع المؤذنون في أثناءه أيديهم إلى آذانهم، كأنها إشارة دخول إلى مهمة من نوع خاص، يمدّون حبالهم الصوتية به إلى أقصى قدراتها، يتبارون .. أيهم أطول الناس أعناقًا يوم القيامة؟

  كان الأذان منذ البداية هناك في آذان الأطفال فور ولادتهم، إلى عتبة الحياة الأخيرة، وما بين ذلك يشعر به طفلٌ يلعب فيتوقف وهو يحسّ بمغزاه، أو تضجّ به حنجرة شيخ لم يفق بعد من أثر مخدّر العملية. كان الأذان هناك في أدقّ لحظات الناس خطرًا، وفي أشد دروبها انعطافًا. كان بكلماته، وانثياله مرتّلًا، ودعوته 

jean_leon_gerome_88_the_muezzin

إلى الصلاة، مؤثرًا في نفوس الناس، من ألينها إلى أشرسها في عداوة الإسلام.

في عالم مُتعِبٍ، ومُتعَبٍ نحيا اليوم فيه، تنفرج نوافذ السيرة عن أيقونة دائمًا ما تستدعى عند البحث عن وسائد راحة الروح في عالم اليوم، كانت علاقةً فريدةً تلك التي تجمع بين طلب النبي عليه الصلاة والسلام لراحة قلبه، وطمأنينة نفسه، وبين الصلاة، عندما كان ينادي في المنادي الأول: ((يا بلال .. أقم الصلاة، أرحنا بها)).

كان الأذان .. كانت الطمأنينة.

خمسون حلقة؟

WhatsApp Image 2018-02-03 at 5.49.20 PM

لم يدر بخلدي عندما وافقت على تقديم برنامج الخزانة، أني سأصل إلى تقديم الحلقة رقم خمسين في مسيرتي معه، وهي الحلقة رقم 72 منذ انطلاقة البرنامج.

كنتُ مستلقيًا على سريري حينها، أمارس الانتظار أثناء بطالة خانقة أعقبت وظيفة أولى استمرت ثلاثة أشهر فقط، تلقيتُ اتصالًا من الصديق العزيز محمد المرحبي الذي كان يعملُ مصورًا بقناة زاد، يسألني مباشرة بعد السلام: تبغى تقدم برنامج؟ وافقتُ فورًا، وحولني بعدها إلى مدير البرامج بقناة زاد، الذي أخبرني بتفاصيل البرنامج، برنامج الخزانة مع الدكتور عبدالله بن سالم البطاطي، الذي يملك واحدةً من أكبر المكتبات الشخصية، ويستعرض في برنامجه جديد الإصدارات في عالم الكتب الشرعية 

WhatsApp Image 2018-02-03 at 5.49.19 PM

والتراثية.

كانت المعلومة المفاجأة أن البرنامج مباشر! وأنه لا وقت لدي لزيارة الاستديو قبل الحلقة الأولى التي سأقدمها، وتجربة الجلوس أمام أربع كاميرات وبضع إضاءات موجهةٍ نحو وجهي، معلقًا في أذني اليسرى سمّاعةً صغيرةً أتلقى من خلالها توجيهات المخرج، ومنصتًا باليمنى لحديث الدكتور عبدالله حتى أضمن الحدّ الأدنى من التفاعل. أقدّم برنامجًا تلفزيونيًا لأوّل مرّة، يُذاع مباشرةً من غير تسجيل، بلا سابق تجربة أو تدريب على الإطلاق .. يا حلاوة!

لكن من زاويةٍ أخرى كان للتجربة تسهيلاتها، فالبرنامج من إعداد الدكتور عبدالله البطاطي بالكامل، تقتصر مهمتي على افتتاح الحلقة واختتامها، والتفاعل مع الضيف الدائم وتنبيهه إلى تفاصيل قد لا يفهمها المشاهد، بالإضافة إلى كتابة السؤال التفاعلي كل حلقة وتلقي مداخلات الضيوف والمستمعين. كما أن طاقم البرنامج كان على درجة عالية من التعاون الشخصي، وسرعة معالجة عثراتي أثناء التقديم، والصبر على تكرار الأخطاء والتنبيه المستمر عليها. بالإضافة إلى نوع البرنامج الموجه إلى قطاع محدد من المشاهدين، في قناة لها ذيوع في أوساط محصورة.

WhatsApp Image 2018-02-03 at 5.49.20 PM (1)كنتُ راضيًا عن أداءي في الحلقة الأولى، رغمًا عن أخطاء في تلقي المداخلات وإنهاءها واختتام الحلقة، كان هذا الرضا بمثابة المخدّر الذاتي المانع من التقويم والتحسين، توقفت عن مشاهدة الحلقات على اليوتيوب بعد بثّها، وأصبحت أتحسس من توجيهات طاقم العمل، أحضرُ إلى الاستديو قبل البث بدقائق قليلة، وهكذا وصلتُ إلى الحلقة رقم 50 على ما يبدو!

عندما لاحت لي قبل أسابيع فرصة تقديم برنامج جديد ملاءم، وافقتُ فورًا مرةً أخرى، أرجو أن يكون هذا البرنامج دافعًا لتحسين مهارات التقديم التلفزيوني (يومًا ما سأحدثكم عن التطوير بالتوريط!)، سجلتُ في دورةٍ مخصصةٍ للتقديم التلفزيوني سلخت قيمتها نصف مرتبي، وعدتُ لمشاهدة حلقات برنامج الخزانة التي قدمتها، مسجلًا ملاحظاتي الشخصية لتقويم الأداء وتطويره.

حسنًا .. فقدتُ مهارة إنهاء التدوينات على ما يبدو 🙂

أحتاج لدورة!