أرشيف التصنيف: جدائلي

خمسون حلقة؟

WhatsApp Image 2018-02-03 at 5.49.20 PM

لم يدر بخلدي عندما وافقت على تقديم برنامج الخزانة، أني سأصل إلى تقديم الحلقة رقم خمسين في مسيرتي معه، وهي الحلقة رقم 72 منذ انطلاقة البرنامج.

كنتُ مستلقيًا على سريري حينها، أمارس الانتظار أثناء بطالة خانقة أعقبت وظيفة أولى استمرت ثلاثة أشهر فقط، تلقيتُ اتصالًا من الصديق العزيز محمد المرحبي الذي كان يعملُ مصورًا بقناة زاد، يسألني مباشرة بعد السلام: تبغى تقدم برنامج؟ وافقتُ فورًا، وحولني بعدها إلى مدير البرامج بقناة زاد، الذي أخبرني بتفاصيل البرنامج، برنامج الخزانة مع الدكتور عبدالله بن سالم البطاطي، الذي يملك واحدةً من أكبر المكتبات الشخصية، ويستعرض في برنامجه جديد الإصدارات في عالم الكتب الشرعية 

WhatsApp Image 2018-02-03 at 5.49.19 PM

والتراثية.

كانت المعلومة المفاجأة أن البرنامج مباشر! وأنه لا وقت لدي لزيارة الاستديو قبل الحلقة الأولى التي سأقدمها، وتجربة الجلوس أمام أربع كاميرات وبضع إضاءات موجهةٍ نحو وجهي، معلقًا في أذني اليسرى سمّاعةً صغيرةً أتلقى من خلالها توجيهات المخرج، ومنصتًا باليمنى لحديث الدكتور عبدالله حتى أضمن الحدّ الأدنى من التفاعل. أقدّم برنامجًا تلفزيونيًا لأوّل مرّة، يُذاع مباشرةً من غير تسجيل، بلا سابق تجربة أو تدريب على الإطلاق .. يا حلاوة!

لكن من زاويةٍ أخرى كان للتجربة تسهيلاتها، فالبرنامج من إعداد الدكتور عبدالله البطاطي بالكامل، تقتصر مهمتي على افتتاح الحلقة واختتامها، والتفاعل مع الضيف الدائم وتنبيهه إلى تفاصيل قد لا يفهمها المشاهد، بالإضافة إلى كتابة السؤال التفاعلي كل حلقة وتلقي مداخلات الضيوف والمستمعين. كما أن طاقم البرنامج كان على درجة عالية من التعاون الشخصي، وسرعة معالجة عثراتي أثناء التقديم، والصبر على تكرار الأخطاء والتنبيه المستمر عليها. بالإضافة إلى نوع البرنامج الموجه إلى قطاع محدد من المشاهدين، في قناة لها ذيوع في أوساط محصورة.

WhatsApp Image 2018-02-03 at 5.49.20 PM (1)كنتُ راضيًا عن أداءي في الحلقة الأولى، رغمًا عن أخطاء في تلقي المداخلات وإنهاءها واختتام الحلقة، كان هذا الرضا بمثابة المخدّر الذاتي المانع من التقويم والتحسين، توقفت عن مشاهدة الحلقات على اليوتيوب بعد بثّها، وأصبحت أتحسس من توجيهات طاقم العمل، أحضرُ إلى الاستديو قبل البث بدقائق قليلة، وهكذا وصلتُ إلى الحلقة رقم 50 على ما يبدو!

عندما لاحت لي قبل أسابيع فرصة تقديم برنامج جديد ملاءم، وافقتُ فورًا مرةً أخرى، أرجو أن يكون هذا البرنامج دافعًا لتحسين مهارات التقديم التلفزيوني (يومًا ما سأحدثكم عن التطوير بالتوريط!)، سجلتُ في دورةٍ مخصصةٍ للتقديم التلفزيوني سلخت قيمتها نصف مرتبي، وعدتُ لمشاهدة حلقات برنامج الخزانة التي قدمتها، مسجلًا ملاحظاتي الشخصية لتقويم الأداء وتطويره.

حسنًا .. فقدتُ مهارة إنهاء التدوينات على ما يبدو 🙂

أحتاج لدورة!

 

عاشقٌ في منى

كنت قد خططت لإجازة حج عام 1433 هـ مع أبناء أخوالي، أردنا أن نحيي لياليها بين أطراف الرياض، سمعنا أنّ “ليالي نجد ما مثلك ليالي”، وقد أردنا اختبار ذلك بأنفسنا. حجزت رحلتي، وقطعت بطاقة صعود الطائرة، وغادرت بالفعل ليلة أول أيام الإجازة، قبل أن يردني اتصال من والدي للعودة من أجل الذهاب مع عمتي إلى الحج. هل جرب أحدكم مرةً أن يؤدي عملاً روحانيًا بنفسية متوثّبةٍ لليالي من السمر والتعاطي العابث مع الحياة؟

كنت حينها في ثاني سنواتي الجامعية، لم تنبت أول شعيرات ذقني بعد، بالكاد أملك شاربًا ناضجًا، أبدو في السابع عشرة من عمري، حظي الرديء أوقعني في آخر مكان بالخيمة في منى، كان علي أن أتجاوز عشرات الأسرّة والأقدام المتعبة من المشي الطويل، حتى أستطيع الخروج إلى باقي المخيّم. تكوّمت على نفسي، ولم أبادر بالتعرّف على الآخرين، يتملكني خجلٌ شديد أثناء مدّ يدي للمصافحة والسلام، وكثيرًا ما فُسّر ذلك كنوع من التكبّر، والتبرير لمثل هذا الأمر مستحيلٌ حقًا.

كان مخيمنا على ربوة من الأرض، في تجويف جبلي، كأنه كهفٌ أسطوري لم يصله آدميٌ قبلنا، يشرف على درب في منى يوصل إلى الجمرات. في أيام التشريق، كان النسيم البارد يداعب لياليها، ويضفي على السهر متعةً أخرى، درجة حرارة تقلّ عن الحاجة إلى لبس المعاطف بنقطة، طقسٌ ليليٌ خلّاب يغري بمراقبة الحجاج الذاهبين إلى رمي الجمرات والعائدين منه.

غادرت سريري قرب الفجر آخر ليالي التشريق، دست بعض الأقدام عن غير قصد (اغفر لي يا إلهي!)، ذهبت إلى المطبخ وأعددت كوبًا من القهوة، ثم مضيت إلى طرف المخيّم واتكأت على السور، أمنح وجهي نعمة معانقة هواء بارد لا نعرفه كثيرًا في جدة، وأتأمل في وجوه الناس وأخترع حكاياتهم في رأسي. فجأة، اتكأ على ذات السور رجل أطول مني قليلاً، يبدو في منتصف الأربعينات من عمره، أسمر الوجه، يملك عظمتين ناتئتين في خديه، شاربًا كثًا، جفنًا غزير الشعر، وصدراً واسعاً يشبه خيال الروائيين. قال وهو يخرج سيجارته:

  • النظر في وجوه الناس يعلّم الحكمة. تشرب دخان؟
  • لا، شكراً.
  • القهوة من غير سيجارة متعةٌ ناقصة.
  • أريد أن أريك شيئًا.

أخرج من محفظته صورة لشاب ينبض وجهه بالفرح، أبيض، متورّد الخدين، وسألني إن كنت سأصدقه أن صاحب الصورة هو نفسه الذي يقف بجواري قبل ثلاث سنوات فقط. ابتسمتُ مندهشًا، وسألته بفضول عن عمره، فأخبرني أنه تجاوز الثانية والثلاثين قبل فترة قصيرة. بقيت أقلب وجهي بين الصورة والرجل الواقف أمامي حتى ضحك من نظراتي، سحب الصورة من يدي، وأعادها إلى محفظته، وقال بأنه عندما شاهدني أراد أن يحكي لي قصته التي يكتمها في صدره طوال هذه المدة، قال:

  • تبدو من النوع الذي يحسن السماع أكثر مما يحسن الحديث.
  • لا أظنك تعرفني.
  • هل تسمح لي بحكاية قصتي؟ أتعهد باختصارها.
  • على راحتك، الخيار لك.

كان هذا الرجل (الذي لم يخبرني عن اسمه، ولم أسأله بالتأكيد) قد أحبّ فتاةً من مدينته، تزوجها، وعاش قطعة من الزمن معها خضراء اللون، يستيقظ على طمأنينة عينيها، ويغفو على همس حديثها. قال لي أنه تعرّف على نفسه للمرّة الأولى معها، وجد نفسه طيبًا نبيلاً، وهو الذي كان يكره النظر في مرآة روحه لما يعرف عن سجايا يكرهها في نفسه، لكنه ما إن تعرف على هذه الفتاة حتى وجد أنه يولد من جديد، يعيد تركيب نفسه كلبنات قطع لعبة “الليجو”، أظهرت أجمل ما فيه، وأذابت تلك القبائح في الأعماق حتى لم يعد يعرفها. ذات نهار رمادي، عاد إلى بيته ووجدها جالسة على الأريكة كمتهمة في غرفة التحقيق، يكاد القلق أن يقلق عليها من هيئتها، وبدون مقدمات طلبت الطلاق! أخبرني أنه سمع طنينًا في أذنيه لحظتها، بالكاد استطاع أن يحافظ على توازنه قبل أن يلقي بجسده على الأريكة أمامها، طلب التأكد مما قالته مرارًا كأنه يمنحها فرصة التراجع عمّا قالته، أو يسألها بأفق مجازيّ أن ترى ما حلّ به من مجرّد طلبها. سألها طبعًا عن الأسباب، لكنها تلثّمت بصمتها، وقطعت الطريق على محاولاته حين ألقت ورقتها الأخيرة: “تحبني؟ طلقني بدون أسئلة”. يقول بأنه يتعجب الآن من تلك السهولة التي نطقت بها جملتها الأخيرة، “هل كانت تشعر بغصّة في آخر حلقها كما أحسّ بذلك الآن وأنا أقص عليك الحكاية؟”. كان حبّه لها أكبر من قدرته على رفض طلبها، منحها ما أرادت ثم غاب في دوّامة صيّرته شخصًا آخر، بالكاد استطاع النجاة من سنوات عجاف أنهكت كل خليّة فيه، وتناوبت عليه أمراضٌ لم تعرفها جينات آبائه، ثم رضخ لطلب أخته بالحج إلى بيت الله الحرام، أخبرته بأنه يمكن أن يعتبرها بداية لرحلة استشفاء. سحب نفسًا عميقًا من سيجارته، أضاء رأسها محمرًّا، كتم أنفاسَه وتقوّس قفصه الصدري، ثم سعل سعالاً شديدًا وطرفت عينه التي كانت قد امتلأت كوتها بماء قلبه أثناء سرد الحكاية، فانهالت الدموع على صفحة وجهه مبررةً بالسعال، ثم استأذنني وغاب. عدت إلى خيمتي، تجاوزت عشرات الأسرّة والأقدام، تعثّرت ببعضها طبعًا، ألقيت بنفسي على السرير، وتكوّمت على نفسي من جديد، سحبت لحافي إلى أعلى صلعتي، ولبثت هكذا حتى سمعت المنادي يقول: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم.