أرشيف التصنيف: ورشة علي بن لافي

محاولاتي في عقد جدائل أنيقة، في ورشة علي بن لافي الافتراضية، حيث كانت الورشة الحقيقية وصاحبها في قرية الظفير بالباحة، مصدر إلهام وأمل.

المعرفة الأكشنية

يأخذ بعض النقاد على مخرجَيْ المسلسل الأخوين واي، تركيزهما على دائرة القرار الضيّقة، تحديدًا شيلا وحاشيتها، مغفلين سكان راجنيشبورام ممن تركوا عائلاتهم وحيواتهم، وعملوا بجدّ لتحقيق تصوّر راجنيش عن المجتمع المثالي. يبرّر المخرجان في مقابلة صحافيّة ذلك الإغفال المتعمّد، بكونهما اضطرا إلى إلغاء جزء يتحدّث عن حياة السانيازيين وطقوسهم اليوميّة، كي لا يكسروا إيقاع العمل. فالمسلسل لا يبتغي تقديم إجابات قطعيّة كاملة عن تيّار باغوان، بل كانت أولويّته من الناحية الإبداعيّة، تشييد حبكة مثيرة شبيهة بأفلام الجريمة والعصابات

سناء الخوري – وايلد وايلد كانتري: هذه ليست قصة حقيقية.

لفتني هذا المقطع من مقالة سناء الخوري عن المسلسل الوثائقي “بريّة موحشة جدًا”، والذي بثته منصة نتفلكس عن المعلم الهندي باغوان، المعروف لاحقًا بلقبه أوشو، وحركته في أميركا التي جاءت في سياق حركات العصر الجديد في ثمانينات القرن الماضي. شاهدت المسلسل قبل قراءة المقالة، وبعدما قرأتها لاحظت فعلًا أن المسلسل لا يوثق أفكار الحركة بقدر ما يوثق الحدث في سياق درامي شبيه بمسلسلات الجريمة التي تبثها المنصة.

لا أعرف الكثير عن حركة باغوان، ولا عن أفكاره ومشروعاته، وبالتالي لست متيقنًا من شكوكي تجاه الصورة غير العقلانية التي عرضتها نتفلكس له ولمجتمعه في أميركا. لكني شاهدت مسلسل Manhunt على منصة نتفلكس أيضًا، وهو مسلسل درامي يحكي قصة مفجر الجامعات والطائرات، والذي كان يرسل قنابل مصنوعة يدويًا وذات تفجير عال، إلى أساتذة الجامعات والطائرات، من أواخر السبعينات وحتى أوائل التسعينات، وبعد مفاوضة مع الحكومة توصل إلى اتفاق يقضي بنشر بيان خاص له في الصحف، مقابل وقف إرسال القنابل، وقُبض عليه لاحقًا بعد فكرة عبقرية من أحد فريق التحقيقات، والذي اقترح الوصول إليه من خلال البصمة اللغوية!

على الرغم من زعم المسلسل سرده لحكاية مفجر الجامعات تيد كازينسكي، إلا أنه يدور في أغلبه حول الضابط الذي ابتكر فكرة الوصول للمجرم من خلال البصمة اللغوية، عن إصراره لإثبات نظريته، علاقته بالمجرم، وتأثره بأفكاره، وانهيار حياته الاجتماعية، تقلباته ووصوله في النهاية إلى الولاء لأميركا ومجتمعها. في أثناء ذلك يعرض المسلسل صورة غرائبية عن المجرم ودوافعه، يظهره كمهووس وهائم وغير عاقل، ثيابه رثة ومتسخة، ملامحه مثيرة للشفقة ويبدو عليه الإجهاد دائمًا، ولا تعرض أي فكرة من أفكاره، ولا مقطع كامل وواضح من بيانه الأخير الذي نشره.

تيد كازينسكي كما عرضه المسلسل

أثناء تنقلي بمعرض جدة في ديسمبر المنصرم، وجدت أن دار تكوين الكويتية قد نشرت ترجمة لبيان كازينسكي الأخير والذي سماه “المجتمع الصناعي ومستقبله”، اشتريت نسخة وقرأتها لاحقًا في بيت أرحامي النائي عن الضجيج، والمطل على وادي عتود في خميس مشيط، كان مكانًا ملائمًا لقراءة كتاب كهذا!

لم أعد أحب القراءة لنقاد الحداثة، أختنق من كلامهم، أحس بانقباض من قراءتهم لحالتنا قبل الحداثة وأثرها علينا فيما بعد، يبدو كلامهم مسطحًا رغم لغة تبدو عميقةً بشكلٍ ما، إنهم يتحدثون عن الحداثة كشتيمة!

هل بيان كازينسكي يندرج تحت قائمة الكتابات التي تنقد الحداثة؟ لا أدري. يبدأ تيد كازينسكي بيانه بنقد اليسار! ويستفيض في شرح أسباب عدم التعويل على الحركات اليسارية في إنقاذ المجتمعات، وأزمة اليسار فيما آل إليه من دعم حركات حقوقية في جزر متفرقة مثل حركات البيئة والنسوية والأقليات الدينية. ويتحدث عن أزمة المجتمع الحديث بعد الصناعة، ومآزق الحياة في ظل التطور التقني المتسارع على جميع الأصعدة، ويقترح بعد تبرير طويل أن نعود للعيش في الغابات وسط أحضان الطبيعة من غير تكنولوجيا.

كل عمق أفكاره لم يظهر في المسلسل طبعًا، ويمكن تقديم أعذار مختلفة لمنتجي المسلسل، لكن لاحظت أن عددًا من متلقي المنتجات التي تعرضها نتفلكس، يتحدثون عما شاهدوه كمعارف وقضايا، دون الرجوع لمصادر المواد التي أُخرجت في حبكات درامية مثيرة وممتعة، لكنها تعطي تصورات ناقصة ومشوهة، بل وزائفة.

جميل الحزين

تربطني علاقةٌ ما بالكاتب جميل الرويلي، هي دون الصداقة وفوق المعرفة، كان هذا قبل أكون مجرد معجبٍ بكتاباته، أتابع جديدها وأتداولها مع أصدقائي، كانت في منتدى الساخر، أو في مدونته التي ماتت: وطنٌ أخضر. ثم طاردناه جميعًا مع منشوراته الطويلة على الفيس بوك، ولحقناه بتويتر، وقرأنا مقالاته القصيرة بجريدة الشرق، وأصبحت الآن وحدي من بين أصدقائي أسمع تسجيلاته المميزة على قناته بالتليقرام، أروي ظمأي بإنسانيته المعجونة بصوته البدوي. لكني أعترف بأني أفقد كتاباته الطويلة التي توقف عنها، جميل الرويلي واحد من القلة القليلة من الكتّاب الذين يكتبون وهم يحترمون الكتابة، لا ليرتزقون منها (وهو حقهم) ولا لتطرب آذانهم بمديح الآخرين.

 

“إن لم يكن في القلبِ حزنٌ؛ خَرِب!” (مالك بن دينار).

بهذا الاقتباس بدأ جميل الرويلي واحدةً من مقالاته العذبة التي جمعها في كتابه ذاكرة عشوائية، وهو ليس كتابه الأول، وأرجو ألا يكون الأخير. يعرف من يتابع تغريدات جميل على تويتر، أنه يكتب، بصورة دورية، تغريدة مكونة من كلمتين: أنا حزين!. هكذا فقط، دون تبرير، دون مقدمات، دون تعبيرات مركبة تداولها الحسابات. يرى الرويلي في الحزن قدرةً كبيرةً في تقويم السلوك، وتحسين التصرفات، وفي ترتيب علاقتنا بالأشياء والناس من حولنا، وفي قدرتنا على التعبير والبيان، بل وفي تحريرنا من الأفكار والمشاعر والتجارب التي تعرقل أرواحنا عن مسيرها. ولا شك أن الحزن الذي يكتبه جميل، يختلف عن الحزن التافه الذي قد يدور في أذهاننا، والذي تروّج له مجموعة من الدوائر التي تتحكم في الإنتاج الدرامي والغنائي والإعلامي، سواء كان تافهًا في جوهره، أو تصديقاته، أو مبرراته.

جميل الرويلي يُعيد التقدير والاحترام إلى الحزن، يكاد أن يُعرّف الإنسانَ بأنه حيوانٌ يحزن! فإذا ما أبعدت حياتنا المعاصرة الإنسان عن إنسانيته، وجعلته يتعامل مع ما حوله بطريقة آلية، جاء الحزن ليعيده إلى حقيقته. يقول “الحزن بداخلي، وبداخل من أحبهم، يُعيدني إلى آدميتي بطريقة سحرية؛ فأجدني أفكر بطريقة مختلفة واعتبارات جديدة، لا تكون في بالي حين أكون في المنطقة الرمادية الباهتة الخالية من عنفوان المشاعر، تلك المنطقة التي تقتل القدرة على ممارسة الموهبة، وتحصر في إطار علفي بحت، وتحولني إلى رجل آلي!“. وهو بالطبع لا يقصد مجرد ذلك الحزن الذي قد ينتابنا دون انتباهنا له، بل الحزن الذي نلتفت إليه لنفهمه ونفهم الأشياء على نحو مغاير بعد مرورنا به، فـ”الذئب والأسد والكلب، عندما يصاب أحدها بجرح في جسده، يجلس يعلق جراحه فتنتهي قصة الجرح هنا! لن يفكر الحيوان بأن هناك ثمة ظلمًا وقسوةً وصراعًا ومؤامرةً وخبثًا وخديعةً وخيبةً ولعنةً ونحسًا! وكل الأشياء المثيرة لجنون هاجس إعادة فهم العالم من جديد!” هكذا يفعل الحزن، تقرر بسببه أن تعيد فهمك للعالم.

قد نخوض تجارب مريرةً، تجرحنا في أعماقنا، وحدهم أهل الحزن من يعيدون فهمها على نحو مغاير، يقول جميل: “أجمل ما في الحزن أنه يشعرني أنني بشر، وأنني قادر على أن أبني من جراحاتي قصورًا من المعاني المغايرة لكل شيء عادي، والخيالات والأساطير الشاعرية الخفية التي تبعثها حالة الالتصاق بجوهر التجربة“.

تعقيد حياتنا اليوم يزيد من عدد الأغلال التي تقيدنا، يرى جميل الحزين في الحزن طاقةً هائلةً للتحرر، يلحظها في عبارات محددة تنطق عمّا يجيش في صدور أصحابها، يقول: “الحزن يصنع الرغبة في التحرر، التحرر من الجرح والجارح، التحرر من الأشياء التي تقتحمنا دون إذن منا لتفسد علينا أنفسنا، التحرر من عناصر الحتمية والإرغام، فتسمو الأنفس وينتشر الخيال، وتبرز على شفاه الحزانى مصطلحات راقية مثل: الحرية، النجاة، الخلاص، الماورائية“. حتى خيباتنا الخاصة، تلك التي قد تكون في أعين الآخرين مجرد تفاهات لا تستحق الالتفات، وهي التي قد تجثم على نفوسنا مدةً طويلةً من الزمن، تكسو أرواحنا بالحزن، هي هي من تعيد تشكيل حياتنا على نحو مغاير! “عندما يقتحمك الحزن، فيغصّ حلقك بدمعة تكاد أن تفضحك وكأن كل من ينظر إليك يراها! تحسب أن حلقك قد تورّم من العبرات المحتقنة فيهحتى صار كحلق طائر بحري ابتلع لتوه سمكة أكبر منه! عندما تجثم عليك الخيبة وتشعر بأن حتى الحجارة تقف في طريقك للتعثر بها وحتى الريح تتعمد أن تهبّ لتملأ عينيك وفمك بالتراب، وأن كل شيء في هذا العالم صار يتنكر لك، حتى صوت أزيز باب قلبك الخاوي بات يحاول أن يخيفك بأعلى درجة ممكنة! عندها ستتعلم أن الحزن ((نبع كبير)) لأقوى الدوافع الذاتية للاستقلال والصمود وتمييز الأشياء من حولك وإعادة ترتيب علاقاتك مع كل شيء يخصك!” هذه القدرة الهائلة للتحرر والاستقلال، يلحظها الرويلي في مشهد يعيد تأويله على نحو مختلف، فيقول: “كلما زاد الحزن؛ زادت نزعة السمو على ((القيد والحتمي)) حتى يبلغ ببعضهم أن يعلّق المشنقة لنفسه في سقف منزله أو يطلق الرصاص على رأسه ليتحرر من أقرب الأشياء إليه، جسده وقلبه وحواسه الخمس!“.

يقربنا الحزن من آدميتنا أكثر، نبدو بسببه أناسًا جديرين بالحبّ، ينتبه جميل لذلك، أو ينتبه حزنه ربما، فيكتب: “لا أدري لماذا عندما نتورط بالحزن نصبح أكثر بشريةً وأكثر حميميةً وألفة، ربما لأن الحزن يكسر الكبر والطغيان في نفوسنا!” نحبّ حينها أهل الحزن، نودّ أن نصاب بعدوى الحزن من أرواحهم، أن نغسل درن إنسانيتنا بحزنٍ مشابه، “لأجل ذلك كله، تجد أن في شخصية ((الإنسان الحزين)) بعدًا إنسانيًا خفيًا، وهالةً من المعاني العائمة في بحرٍ كبيرٍ من ((الآدمية)) والشعور والحس والمبدأ. تجد له جاذبية غريبة لو تمعنت لوجدت أنها جاذبية ((النكهة الإنسانية)) في شخصية وملامح ذلك الحزين!“.

 

“كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصلَ الأحزان …” (هند بن أبي هالة رضي الله عنه).

الطفل والكون

سيدي الكريم، هناك فرقٌ في الرؤية، في المشروع … نحن نتساءل، هل وظيفة الأديب أن يقدم فقط ما يسرّ الناس، أم أن يقدم ما ينفعهم أيضًا بالإضافة إلى ما يسرّهم؟ ما ينفعهم ويرتقي بذائقتهم؟

(سليم عبدالقادر، مجيبًا على سؤال: لمَ لا تكتب أناشيد باللهجة المحلية، وفي مواضيع ترفيهية، كما هي أناشيد الأطفال الآن؟)

كل أمة من الأمم، يكون لها نموذج خاص يحكم رؤيتها في الحياة، يحدد تصوراتها عن الإنسان، وعلاقته الموجودات في هذا الكون، وخالقه. وبطبيعة الحال فإن للإسلام نموذجه، الذي يرى بأن لهذا الكون إلهًا مفارقًا له، هو الله سبحانه وتعالى، وهو خالق الكون لغرض وهدف، وأن الله سبحانه وتعالى خلق الكون ولم يهجره، وإنما يشمله دومًا برعايته وحكمته ورحمته. كما أن هذا النموذج يجعل من الطبيعة مخلوقًا من المخلوقات، تؤمن بالله سبحانه وتعالى، وتعبده كما ألهمها ربها. ويؤكد النموذج على أنّ الإنسان مخلوقٌ من المخلوقات، لكنه متجاوزٌ لها بحكم حريته التي منحها الله له، وكلفه بخلافة الأرض، وتحقيق عبودية الله سبحانه وتعالى فيها، وسُخّرت له هذه الطبيعة ليعمر الأرض كما أمره ربه، وأن يتعامل معها بمسؤولية تليق بالأمانة التي حملها.

هذا باختصار (مُخِلّ!) النموذج الذي يسير عليه المسلم في هذه الحياة، وقد عزم الأستاذ سليم عبدالقادر برّد الله مضجعه، على تقريب هذا المفهوم المركب للطفل المسلم، وغرسه في وجدانه كي يقيه من تأثيرات النماذج المنحرفة للأمم الغالبة في هذا الزمان، فكتب أناشيد واحد من أشهر ألبومات الأطفال، بدأه بقصيدة أُلهم فكرتها وهو يرى ابنته تجمع الصدف على شاطئ البحر الأحمر في مدينة جدة، فكان بداية المجموعة الرائعة “الطفل والبحر”.

Al-6efl_wal_ba7ar

في هذا التدوينة سأركز على تحليل عنصرين مهمين من عناصر الأناشيد، العنصر الأول هو إيمان هذا الكون بالله سبحانه وتعالى، والعنصر الثاني هو تسخير هذا الكون للإنسان؛ وقد اخترتهما لأنّ الأول يؤكد وجود الله سبحانه وتعالى، وإيمان هذا الكون بالله سبحانه وتعالى، بل ويؤكد أيضًا على أنّ الله سبحانه مفارق لهذا الكون. وأما العنصر الثاني فقد اخترته لأنه يؤكد على ازدواجية الطبيعة والإنسان، وأنّ الإنسان متجاوز لها رغم كونه مخلوقًا مثلها، كما يؤكد هذا العنصر على وجود هدف لخلق الكون ولخلق الإنسان، وأن تسخير الطبيعة للإنسان يستلزم وجود غاية أرادها الله سبحانه وتعالى. وقد احتوت القصائد على العديد من العناصر التي تستحق التحليل والمناقشة، فقد عمد عبدالقادر إلى صياغة علاقة إيجابية بين الكون والإنسان، وضمّن أبياته قيمًا تربوية عديدة، كما ولّد من حياة الكائنات رموزًا ومعاني في لتدريب الطفل على التفكر في هذا الكون.

الكون المسخّر:

من المهم ملاحظة أن سليم عبدالقادر رحمه الله، قد انتقى من المخلوقات ما يتماسّ مباشرة مع حياة الطفل اليومية، واختار من صور التسخير ما يستطيع الطفل على استيعابه، وأقربها وأبسطها. ففي أنشودة الشمس قال:

“لولاها لم ينمُ الشجرُ / في الأرضِ ولا عاشَ البشرُ”

وفي أخيها القمر قال:

“والنورَ أهداهُ / كي يُسعدَ البشرَ”

وفي مستهل أنشودة النهر أكد على هذا العنصر أيضًا:

“ماءُ النهر أسرع يجري / حينَ دعاهُ صوتُ البحرِ

ثم انطلقَ يروي البشرَ / يسقي السهلَ والمنحدرَ”

وعند حديثه عن الشجرة قال:

“إن مرّ إنسانُ / في الظهرِ تعبانُ

مدّت له ظلًا / ورمت له ثمرة”

أما في أشهر أناشيد الألبوم، أنشودة الطفل والبحر، فقد جاء هذا المفهوم في سياق إجابة البحر على تساؤلات الطفل الحيرى حول الغرض من خلق البحر ومعنى وجوده، مع اعترافه بروعته وعظيم تكوينه، فقال البحر في صورة ساحرة، وإشارة غير مباشرة تدفع الطفل لاستكشاف الجواب:

“وراحَ البحرُ يبتسمُ / وبالشطآن يرتطمُ

وحينَ الطفل أحرجَهُ / أزاحَ الصمتَ واعترفَ

وقال البحرُ يا ولدي / سلِ الأسماكَ في كبدي”

الكون المؤمن:

نوّع المرحوم سليم عبدالقادر في شكل عرض هذا المفهوم، بين اعترافها بأنها من خلق الله، وبين عبادتها له، وبين جمعهما معًا، مع أشكال أخرى مختلفة. فالشجرة مثلًا تعبد الله لأنه خالقها:

“وتظلّ في ذكرِ / للهِ أو شكرِ

فالله أبدعها / من بذرةٍ شجرة”

وكرر نفس الأسلوب في أنشودة النحلة:

“وتُسبّحُ اللهَ / فاللهُ سوّاها”

أما في أنشودتي الشمس والقمر، فبعد استعراض عظيم خلقهما، ما كان من الشاعر إلا أن يعظّم خالقهما، ففي أنشودة الشمس قال:

“فتبارك من قد أبدعها / الله الحيُّ المقتدرُ”

وفي ختام أنشودة القمر قال:

“فتبارك اللهُ / من كان سوّاهُ”

وعند اندهاش الأطفال من جريان النهر، وركضهم خلفه، التفت إليهم وقال:

“قال النهرُ: أنا ومياهي / يا أحبابي صُنعُ اللهِ”

وأما العصفور الذي استقرّ على الشجرة بعد تيهانه، وتعرفه على هذا الكون البديع، فقد قال باطمئنان:

“وتذكر أنّ اللهَ / خلقَ الدنيا وهداها

فمضى يشدو مبتهجًا / يرعاني من يرعاها”

وفي الحديث الخلّاب الذي جرى بين الطفل والبحر، قال البحر مؤكدًا على عمق إيمانه بربه:

“وسل موجي تجد قلبي / بحبّ الله قد هتفَ

إلهُ الكونِ سوّاني / ومن يرعاكَ يرعاني”

لكن مع أنشودة المطر، كان الاعتراف بعبودية الله اعترافًا جماعيًا، شكرًا لله على نعمة الماء التي فيها حياتها:

“هبّت دنيا ما أحلاها / تشكرُ ربًا لا ينساها

إن عطشت بالمطرِ سقاها / وبه إن ماتت أحياها”.

في الختام:

رحم الله سليم عبدالقادر، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خير الجزاء على ما قدّم لجيلي خاصة، وللمسلمين عامة.