أرشيف التصنيف: ورشة علي بن لافي

محاولاتي في عقد جدائل أنيقة، في ورشة علي بن لافي الافتراضية، حيث كانت الورشة الحقيقية وصاحبها في قرية الظفير بالباحة، مصدر إلهام وأمل.

حكاية ليلى

 

في الصباح، كنت في طريقي إلى مقر عملي، انتبهت أن اليوم يوافق ذكرى النكبة الفلسطينية التي جرت أحداثها قبل 68 سنة، في العام 1948م، عندما هاجمت عصابات اليهود القرى والبلدات الفلسطينية، وشرعت في إقامة مجازر مروّعة بحق أهلها القاطنين فيها، وتهجيرهم من أرضهم، ودمرت الهوية العربية بها، وجرفت البلدوزرات الصهيونية البيوت، ومزارع الزيتون، وحقول الليمون والبرتقال، وطهّرت (أو نجّست؟) المجال الجغرافي من كل ما من شأنه أن يذكر بأهله وناسه، وأقامت مكانه كيانّا مسخًا لا ينتمي إلا لأوهام الصهاينة.

029232317_dorra

أيقونة انتفاضة الأقصى (الانتفاضة الثانية)، الطفل الشهيد محمد الدرة، أثناء اغتياله من قبل الصهاينة.

عندما اندلعت انتفاضة الأقصى، كنت في الصف الأول الابتدائي، جاءت الانتفاضة لتذكر العالم العربي بمسؤوليته تجاه القضية الفلسطينية، فشاركت التيارات المختلفة في دعم ومناصرة القضية، واستثمرت كل الوسائل المتاحة في بث الوعي بها، وتوريث هذا الوعي للأجيال القادمة، جيلي الذي كان يُعرف في فلسطين بـ(أطفال الانتفاضة). كان المرحوم سليم عبدالقادر، ابن حلب الشهباء، من روّاد الأنشودة الإسلامية، ألهبت الانتفاضة مشاعره، ودفعه شعوره بالمسؤولية إلى كتابة قصة شعرية كاملة، عن طفلة فلسطينية هُجّرَت من قريتها، وبقيت تحلم بالعودة حتى عادت، فخرج ألبوم “عودة ليلى” بغناء هالة الصباغ.

 

1_2013611_32859

الشاعر سليم عبدالقادر رحمه الله (1954-2013)

كانت هذه طريقة سليم عبدالقادر رحمه الله في توريث القضية لجيلي، ولإيصال مفهوم النكبة لنا، والتذكير بحق العودة لكل ضحايا النكبة المهجّرين، وأشهد أن هذا الألبوم قد جذّر هذا الهم في وجدان جيل كامل، وما تذاكرت مع أترابي أغاني الألبوم إلا وشهدوا له بعظيم أثره على نفوسهم. لغة فصيحة، ألحان سهلة، صوتٌ عذب، تصوير هادئ لا يُشوّش .. ماذا يريد الطفل أكثر من هذا؟!

في هذه التدوينة سأحاول الحديث عن نقطتين فقط، سأتناول في الأولى القالب الذي استخدمه الألبوم في توصيل قضيته، وفي الثانية سأبين أهم مبرر استخدمه سليم عبدالقادر لتبيين عدالة قضية ليلى. ردًّا لبعض جميل المرحوم سليم عبدالقادر، وصوت طفولتنا هالة الصبّاغ؛ جاءت هذه التدوينة.

تعريف سريع:

يتكون الألبوم من ثمان أناشيد مصورة، لكل أنشودة مقدمة درامية قصيرة جدًا، حوار بين مجموعة من الأطفال عن ليلى وقصتها. يبدأ الألبوم بأنشودة “ليلى”، تحكي قصة حياة ليلى، ثم تهجيرها من المعتدين. والأنشودة الثانية عن طائرة ورقية صنعتها ليلى وأرسلتها إلى قريتها. وفي الأنشودة الثالثة تحكي ليلى من مهجرها قصتها للطيور. بينما تذهب في الأنشودة الرابعة إلى بلادها على “بساط الريح”. وكتب الأطفال في الأنشودة الخامسة “رسالة سريعة” إلى ليلى، يعبرون فيها عن تضامنهم مع قضيتها. وتحكي الأنشودة السادسة عن أطفال ولدوا تحت الاحتلال، وبطولتهم في مقاومته. وتتحدث أزهار وأشجار قرية ليلى، في الأنشودة السابعة، عن شوقهم لليلى وانتظارهم لها. وليختتم الألبوم بالأنشودة الثامنة عن “عودة ليلى”.

الحكي:

للحكاية في نفوس الأطفال منزلة سامقة، حيث تكون وسيلته الأولى لفهم العالم، بينما تكون الأداة الأولى للمربي من أجل غرس القيم والمبادئ. إلا أن لممارسة الحكي دورًا خطيرًا في تصوّر القضايا وفهمها، وإعادة تنظيم المعلومات حولها.

مع المشهد الحواري لأول أنشودة، تشير طفلة إلى ليلى وهي تسأل صديقتها عن سر البنت الجالسة على أطلال بيتها المهدم، فتجيب بأنها: ليلى، وأن لها “قصة عجيبة”، فتطلب منها أن تُسمعها قصتها ليلى، ويبدأ الألبوم. فالألبوم عبارة عن “حكاية” طفلة هجّرها الصهاينة من قريتها، بعد أن كان لها “بيت من فرحٍ، في حقلٍ حلو الشجرِ”.

ثم يكون للحكي دورٌ في التواصل مع قريتها، حيث تصنع ليلى في الأنشودة الثانية طائرة ورقية، وتتركها تطير في الجو لتطير “نحو الوطنِ المأسورِ”، ثم تطلب ليلى من الطائرة أن تحكي لقريتها عن حالها في مهجرها، ومعاناتها، وعدم نسيانها لوطنها:

“قالت ليلى في همسِ / انطلقي نحو القدسِ

ولقريتنا لا تنسي / أن تحكي عن أخباري”

يأخذ الحكي دورًا متقدمًا في الأنشودة الثالثة، فليلى تعرّف الطيور على قصتها من خلال الحكي:

“وقفت ليلى بعد الفجرِ / تحكي قصتها للطيرِ”

ثم تسترسل ليلى في وصف قريتها للأطيار، وعن ما حدث فيها من مآس بعد أن كانت موطنًا للأطهار.

في مشهد الأنشودة الرابعة تقول طفلةٌ لصديقاتها، بأن ليلى تحلم بأنها تسافر على بساط الريح، فيتساءلن: إلى أين؟ لترد عليهن: إلى كل مكان في العالم؛ لتحكي حكايتها للناس. تمر ليلى على الناس في أوطانهم، وتراهم وهم يتنعمون بخيراتها دون أن يستشعرون هذه النعمة، فتحكي لهم عن وطنها بكل حزن:

“تقص للإنسانِ / في السهلِ والوديانِ

حكاية الأوطانِ / بصوتها المبحوحِ”

ثم يصل مكوّن الحكي إلى أقصى مداه، فيكون هو جوهر الأنشودة السادسة التي جاءت بعنوان “حكاية الأطفال”، والتي تحكي قصة أطفال ولدوا تحت الاحتلال ثم تعاهدوا على تحرير وطنهم بالحجارة:

“سعدٌ وعمّارٌ ونجوى / طلعوا كوجهِ الفجرِ حُلوَ

طابت حكايتهم وصارت / في أجملِ البلدانِ تُروى”

عدالة القضية:

تؤكد الأناشيد على عدالة القضية، وحق العودة بمبررات مختلفة، لكن مبررًا واحدًا أخذ بلبّي إلى درجة مذهلة، فالأناشيد تصوّر أن كل الكون يقف مع ليلى ومع قضيتها. ففي الأنشودة الثالثة تتفاعل الطيور مع حكاية ليلى لقصتها، ثم تقاطع سردها وتصرخ:

“قالت في الحال الأطيارُ / سوفَ تعودُ إليكِ الدارُ”

وفي أنشودة “رسالة سريعة” يكتب الأطفال رسالة إلى ليلى، والذي سيوصلها إلى ليلى لن يكون غير طائر سريع:

“تجمّع الأطفالُ في الربيعِ / على بساطٍ أخضرٍ بديعِ

وأرسلوا رسالةٍ لليلى / على جناح الطائر السريعِ”

وأعجبت الشمس بتضحيات الأطفال، وتعاهدهم على تحرير أرضهم:

“نظرتْ هناكَ الشمسُ تارة / ضحكت وقالت في بشارة

عجبًا لأطفالٍ صغارٍ / للناسِ قد صاروا منارة”

بينما تخاطبها أزهار قريتها وأشجارها، بل وأغصان الأشجار عن شوقهم لها بعد تهجيرها:

“قالت الأزهارُ ما ودّعتِنا / قالت الأشجارُ لو عُدتِ لنا

قالت الأغصانُ فلتبقي هُنا / واختفي يا أختنا ما بيننا”

وعندما تعود ليلى إلى وطنها في آخر الأنشودة، يسبق السحاب والحمام ليلى إلى وطنها، ليبشروا الأطفال بعودة ليلى:

“فوقَ أكتافِ الغمامة / أقبلت يومًا حمامة

تحملُ البشرى فقالت / في سرورٍ وابتسامة

أختكم ليلى انظروها / كيف عادت بالسلامة”

بل يبالغ المرحوم سليم عبدالقادر في تصوير بداهة التضامن مع القضية، ليصور الجمادات والأساطير وهي تدعم ليلى، كما في أنشودتي “الطائرة الورقية”، و”بساط الريح”.

لكن أبلغ صورة لبداهة الوقوف مع حق عودة ليلى إلى وطنها، كان في اصطفاف الأطفال معها، وإيمانهم بقضيتها، فالأطفال غير مؤدلجين، لا ينتمون لأحزابٍ سياسية تتبدل مواقفها بتبدل الأحداث، كما أن الأطفال يعبر وقوفهم مع ليلى عن قناعتهم بعدالة قضيتها، واختيارهم الاصطفاف معها، بخلاف الكائنات الأخرى التي تضامنت معها. تبدأ الصورة مع ليلى وهي تطير على بساط الريح:

“فلوّح الأطفالُ / لوجهها وقالوا

ستزُهر الآمالُ / غدًا على السفوحِ

ستضحكينَ يومًا / تنسين فيه الهمَّ

وتُمسكين الحلمَ / بكفّكِ الجريحِ”

وفي صورة ساحرة، قرر الأطفالُ أن يرسلوا رسالة إلى ليلى:

“تجمّع الأطفالُ في الربيعِ / على بساطٍ أخضرٍ بديعِ

وأرسلوا رسالةً لليلى / على جناحِ الطائرِ السريعِ”

ثم تبدأ الأنشودة في سرد الرسائل واحدةً تلو الأخرى متصاعدةً في موقفها من القضية في أسلوبٍ أخّاذ:

“قالت هدى بصوتها الشفّافِ / لا تحزني يا أخت لا تخافي

لابد في نهاية المطافِ / للموطن الحبيبِ بالرجوعِ”

وبعد أن خففت هدى من هم ليلى، أكدت نهى على حق ليلى في العودة، وذكرتها بتضحياتها:

“قالت نهى كم ذقتِ من عذابِ / فأبشري يا أخت بالإيابِ

ولتأخذي الأجملَ من ثيابِ / ولتمسحي ما كان من دموعِ”

لكن محمود وجد أن القضية واضحة، وصرخ بها غير متردد:

“وقال محمود بصوت عالي / سترجعين فاذكري أقوالي

لموطن الجمالِ والجلالِ / للبيتِ والبستانِ والينبوعِ”

ثم يحسم سعد مع ابتسام المسألة، ويأتون إلى ليلى بكل أطفال العالم، ويعلنون في حزمٍ أنهم في صفّها ضد المعتدين:

“وقال سعد وابتسام إنّا / بكلّ طفلٍ في الحياة جئنا

في صفّك العادل قد وقفنا / فأنتِ بعد اليومِ لن تضيعي”

أخيرًا:

عناصر الألبوم التي صنعت صورته الكاملة كثيرة، وهي تستحق كشف جوانب تميزها، وأسباب تأثيرها على قطاع واسع من أطفال جيل التسعينات، مثل عنصر “الحلم”، وعنصر “الطفولة”، بل من أهم الأمور التي يجب فهم كيفية بناءها في الألبوم هي القضية الأساسية له، أعني حق العودة، كيف بنى سليم عبدالقادر مفهوم حق العودة في وجدان الأطفال عبر الأناشيد؟!