عاشقٌ في منى

كنت قد خططت لإجازة حج عام 1433 هـ مع أبناء أخوالي، أردنا أن نحيي لياليها بين أطراف الرياض، سمعنا أنّ “ليالي نجد ما مثلك ليالي”، وقد أردنا اختبار ذلك بأنفسنا. حجزت رحلتي، وقطعت بطاقة صعود الطائرة، وغادرت بالفعل ليلة أول أيام الإجازة، قبل أن يردني اتصال من والدي للعودة من أجل الذهاب مع عمتي إلى الحج. هل جرب أحدكم مرةً أن يؤدي عملاً روحانيًا بنفسية متوثّبةٍ لليالي من السمر والتعاطي العابث مع الحياة؟

كنت حينها في ثاني سنواتي الجامعية، لم تنبت أول شعيرات ذقني بعد، بالكاد أملك شاربًا ناضجًا، أبدو في السابع عشرة من عمري، حظي الرديء أوقعني في آخر مكان بالخيمة في منى، كان علي أن أتجاوز عشرات الأسرّة والأقدام المتعبة من المشي الطويل، حتى أستطيع الخروج إلى باقي المخيّم. تكوّمت على نفسي، ولم أبادر بالتعرّف على الآخرين، يتملكني خجلٌ شديد أثناء مدّ يدي للمصافحة والسلام، وكثيرًا ما فُسّر ذلك كنوع من التكبّر، والتبرير لمثل هذا الأمر مستحيلٌ حقًا.

كان مخيمنا على ربوة من الأرض، في تجويف جبلي، كأنه كهفٌ أسطوري لم يصله آدميٌ قبلنا، يشرف على درب في منى يوصل إلى الجمرات. في أيام التشريق، كان النسيم البارد يداعب لياليها، ويضفي على السهر متعةً أخرى، درجة حرارة تقلّ عن الحاجة إلى لبس المعاطف بنقطة، طقسٌ ليليٌ خلّاب يغري بمراقبة الحجاج الذاهبين إلى رمي الجمرات والعائدين منه.

غادرت سريري قرب الفجر آخر ليالي التشريق، دست بعض الأقدام عن غير قصد (اغفر لي يا إلهي!)، ذهبت إلى المطبخ وأعددت كوبًا من القهوة، ثم مضيت إلى طرف المخيّم واتكأت على السور، أمنح وجهي نعمة معانقة هواء بارد لا نعرفه كثيرًا في جدة، وأتأمل في وجوه الناس وأخترع حكاياتهم في رأسي. فجأة، اتكأ على ذات السور رجل أطول مني قليلاً، يبدو في منتصف الأربعينات من عمره، أسمر الوجه، يملك عظمتين ناتئتين في خديه، شاربًا كثًا، جفنًا غزير الشعر، وصدراً واسعاً يشبه خيال الروائيين. قال وهو يخرج سيجارته:

  • النظر في وجوه الناس يعلّم الحكمة. تشرب دخان؟
  • لا، شكراً.
  • القهوة من غير سيجارة متعةٌ ناقصة.
  • أريد أن أريك شيئًا.

أخرج من محفظته صورة لشاب ينبض وجهه بالفرح، أبيض، متورّد الخدين، وسألني إن كنت سأصدقه أن صاحب الصورة هو نفسه الذي يقف بجواري قبل ثلاث سنوات فقط. ابتسمتُ مندهشًا، وسألته بفضول عن عمره، فأخبرني أنه تجاوز الثانية والثلاثين قبل فترة قصيرة. بقيت أقلب وجهي بين الصورة والرجل الواقف أمامي حتى ضحك من نظراتي، سحب الصورة من يدي، وأعادها إلى محفظته، وقال بأنه عندما شاهدني أراد أن يحكي لي قصته التي يكتمها في صدره طوال هذه المدة، قال:

  • تبدو من النوع الذي يحسن السماع أكثر مما يحسن الحديث.
  • لا أظنك تعرفني.
  • هل تسمح لي بحكاية قصتي؟ أتعهد باختصارها.
  • على راحتك، الخيار لك.

كان هذا الرجل (الذي لم يخبرني عن اسمه، ولم أسأله بالتأكيد) قد أحبّ فتاةً من مدينته، تزوجها، وعاش قطعة من الزمن معها خضراء اللون، يستيقظ على طمأنينة عينيها، ويغفو على همس حديثها. قال لي أنه تعرّف على نفسه للمرّة الأولى معها، وجد نفسه طيبًا نبيلاً، وهو الذي كان يكره النظر في مرآة روحه لما يعرف عن سجايا يكرهها في نفسه، لكنه ما إن تعرف على هذه الفتاة حتى وجد أنه يولد من جديد، يعيد تركيب نفسه كلبنات قطع لعبة “الليجو”، أظهرت أجمل ما فيه، وأذابت تلك القبائح في الأعماق حتى لم يعد يعرفها. ذات نهار رمادي، عاد إلى بيته ووجدها جالسة على الأريكة كمتهمة في غرفة التحقيق، يكاد القلق أن يقلق عليها من هيئتها، وبدون مقدمات طلبت الطلاق! أخبرني أنه سمع طنينًا في أذنيه لحظتها، بالكاد استطاع أن يحافظ على توازنه قبل أن يلقي بجسده على الأريكة أمامها، طلب التأكد مما قالته مرارًا كأنه يمنحها فرصة التراجع عمّا قالته، أو يسألها بأفق مجازيّ أن ترى ما حلّ به من مجرّد طلبها. سألها طبعًا عن الأسباب، لكنها تلثّمت بصمتها، وقطعت الطريق على محاولاته حين ألقت ورقتها الأخيرة: “تحبني؟ طلقني بدون أسئلة”. يقول بأنه يتعجب الآن من تلك السهولة التي نطقت بها جملتها الأخيرة، “هل كانت تشعر بغصّة في آخر حلقها كما أحسّ بذلك الآن وأنا أقص عليك الحكاية؟”. كان حبّه لها أكبر من قدرته على رفض طلبها، منحها ما أرادت ثم غاب في دوّامة صيّرته شخصًا آخر، بالكاد استطاع النجاة من سنوات عجاف أنهكت كل خليّة فيه، وتناوبت عليه أمراضٌ لم تعرفها جينات آبائه، ثم رضخ لطلب أخته بالحج إلى بيت الله الحرام، أخبرته بأنه يمكن أن يعتبرها بداية لرحلة استشفاء. سحب نفسًا عميقًا من سيجارته، أضاء رأسها محمرًّا، كتم أنفاسَه وتقوّس قفصه الصدري، ثم سعل سعالاً شديدًا وطرفت عينه التي كانت قد امتلأت كوتها بماء قلبه أثناء سرد الحكاية، فانهالت الدموع على صفحة وجهه مبررةً بالسعال، ثم استأذنني وغاب. عدت إلى خيمتي، تجاوزت عشرات الأسرّة والأقدام، تعثّرت ببعضها طبعًا، ألقيت بنفسي على السرير، وتكوّمت على نفسي من جديد، سحبت لحافي إلى أعلى صلعتي، ولبثت هكذا حتى سمعت المنادي يقول: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم.

حكم صيام الست من شوال في ذي القعدة و غيره (مباحثة أصولية)

 تكرّم الشيخ أحمد العنزي وسمح لي بنشر هذه المباحثة الأصولية على المدونة، فجزاه الله خير الجزاء.

 

قالوا: النص ورد بتخصيص شوال ((من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال …))، وصيامها في غير شوال يبطل هذا الخصوص.
رُد عليه: نقول بهذا الخصوص، ولكن نحمله على الأفضلية فيه، وجوازه في غيره، والمعنى لايمنع؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها ويتحقق ذلك في جميع أشهر العام.
جواب الرد: هذه منك معاندة، تسلم لقولنا ونحن نصون النص عن الإبطال، وعلتك مستنبطة محتملة تعود على الأصل بالإبطال، ثم تسوغ طردها في أي شهر!
رد الجواب: لانبطل الأصل، ولكن نقول صيامها في شوال أفضل؛ لما فيه من المسارعة في الخيرات، وفي غيره جائز، ولنا حديث ثوبان ((ستة أيام بعد الفطر)) فأطلق الوقت ولم يقيده بشوال.
جواب الرد: حديث ثوبان مطلق، وما جاء عن أبي أيوب مقيد في شوال ((ثم أتبعه ستًا من شوال)) فنقيد به حديث ثوبان. قال الشوكاني عن حديث ثوبان ((ستة أيام بعد الفطر)) :”أي بعد اليوم الذي يفطر فيه وهو يوم عيد الإفطار فيحمل المطلق على المقيد ويكون المراد بالست ثاني الفطر إلى آخر سابعه”.
رد الجواب: تأخير صيام الست له أصل، كما الصلاة في أول وقتها أفضل ولها وقت جواز تمتد له.
جواب الرد: من أصلنا أن القياس في العبادات باطل.
رد الجواب: نحن نقول بهذا الأصل، ولكن المراد المنع من إنشاء عبادة جديدة بالقياس على العبادة، أما في الشروط والضوابط لابأس.
جواب الرد: يعكر عليه أنه قياس مع الفارق، فالصلاة في وقتها المسموح به شرعا وهي تدور بين فاضل ومفضول، أما صيام الست خارج شوال خرجت عن وقتها المسموح الذي ورد به النص، فانتبه!
رد الجواب: الحق أحق أن يتبع، أنا أسلم لك في هذه المباحثة واقتنعت بصحة ماذكرت، لكن ما قولك فيمن منعه أحد الأعذار من صيام الست في شوال، هل له أن يصومها في غيره؟
جواب الرد: شكرا لأدبك الراقي، واتباعك الصواب بمجرد ظهوره، هكذا أهل العلم وطلاب الحق. أما صيام الست من شوال في غيره لعذر كمرض وحيض وغيره، فهذا نقول به، وهو يجري على القواعد في قضاء الرواتب لعذر.
كتبه: أحمد باجي أبوعمر.

فؤاد الهاشمي: الشائع اليوم بحث المسائل القديمة بمعزل عن المسائل العصرية، وهذا خلاف صريح الفقه.

لا يكاد يمر يوم على المتابعين له في تويتر، إلا وهم يقرأون تغريدات جديدة له عن البحث الشرعي، وتطويره، ومقترحات عملية ومثالية لإصلاحه. وهي ليست مقترحات عائمة في الفضاء التقني، بل لها وجودها على أرض الواقع، حيث يقوم الدكتور فؤاد الهاشمي بعقد ورش ودورات متخصصة في تأهيل الباحثين وتطوريهم، ويعضد هذا بأبحاثه الشخصية، التي نتناول اليوم أحدها في هذا اللقاء، على أمل بلقاء آخر يحدثنا فيه الدكتور عن باقي نتاجه. كل الشكر للدكتور فؤاد الهامشي على تكرمه بالموافقة على هذا اللقاء، واستقطاعه من وقته المزدحم للإجابة على أسئلتنا، والشكر موصول للشيخ مشاري الشثري على إثراءه ودعمه، والآن أترككم مع نص اللقاء:

421977_587228244635463_142580928_n

فؤاد الهاشمي: نعاني من غياب  مجتمعات بحثية صحية ينمو فيها الباحث، ويصقل فيها مهاراته.

من الملاحظ في كتابكم مشكلات المفطرات، حكاية الخلاف الفقهي في صور اتجاهات ومسالك تتضمن عددًا من الأقوال، لا على الطريقة المعهودة من سرد الخلاف من خلال أقوال المذاهب الأربعة وما يلحق بها. هل هناك منهجية واحدة في حكاية الخلاف؟ أم أن كل مسألة لها ظرفها، ولكل منهج له إيجابياته وسلبياته؟

أولا: كل مسألة لها طبيعتها الخاصة التي تتشكل فيها، فالمسألة هي التي تفرض المقاس المناسب لها، لا أن تكون هناك قوالب حديدية تفرض بالسلاسل والأغلال على كل المسائل بكافة المقاسات مهما كان طولها وعرضها.

DA8hj9yXsAoU7Fk

كتاب الضيف: مشكلات المفطرات.

ولذا فمجلس القسم يقوم بترقيم وختم جميع صفحات الخطة، حتى يأمن من التقديم أو التأخير أو التغيير، ولم يبق إلا أن يختم على جبين الباحث!

هذه الفلسفة تخالف طبيعة الخطط، فخطة العمل، من صفاتها أنها متغيرة، بحسب المتغيرات وما يكتشفه الباحث، فيجب أن تخضع الخطة للتعديل المستمر.

ثانيا: البحوث عادة تمر بمرحلتين: مرحلة بحث، ومرحلة إعادة ترتيب وعرض، فالأول شغل الباحث، والثاني شغل المصنف، فأصول البحث تحقق نتائج البحث، وأصول التصنيف تحقق الشكل المناسب لعرض نتائج البحث، وكثير من المؤلفين يغلب عليه العناية بإحدى الحرفتين، فتنحط رتبة كتابته بمقدار.

أخيرا: الزمن، فالمسألة الواحدة من مسائل البحث، يستغرق بحثها أياما، وأسابيع، إلى شهور، وتظل تخضع للمراجعة عبر السنين، ولذا مشكلات المفطرات الآن لم تعد ستة، بل هي سبعة، حصل لها انقسام في أحد خلاياها.

تشكل الأبحاث التي يتضمنها كتابكم مشكلات المفطرات، خروجًا عن النمط المعهود للبحث الفقهي الأكاديمي، بدايةً من العنوان ومرورًا بمنهجية البحث وخطته وطريقة التوثيق، وانتهاء بخاتمة البحث المتضمنة للنتائج، هذا يقودني إلى سؤالك عن رؤيتك الخاصة لواقع البحث الفقهي الأكاديمي، وهل يمكن معالجة مشكلاته؟ أم نتجاوزه عمليًا ونشجع البحث خارج أسواره؟

الباحث المحترف يحسن البحث في الزوايا الضيقة ببراعة، ولا تزال أسوار الجامعات – على ما فيها – هي البيئة المهيئة للبحث العلمي، فهي سوق البحث، ومحل اكتشاف الباحثين.

c6gznciwqaad0ng-e1496058614204

ضيف اللقاء في إحدى الدورات التي يقدمها مركز دارس.

ويمكن تطوير البحث العلمي فيها بوتيرة أسرع، فلا تخلو عامة الجامعات، من المبدعين في صناعة البحث العلمي، لكن حضور هؤلاء في التأثير ضعيف ومحدود ومؤقت، هؤلاء القلة يمكن أن يكونوا أدوات الإصلاح والتطوير إذا زادت جرعات الإرادة والإصرار والإلحاح مع قليل من التنسيق والإدارة، ترافقها جدية في تقديم مقترحات عملية.

تشرفون على مركز دارس الذي يقدم خدمات عديدة للباحثين، من ضمنها باقة متنوعة من الدورات التدريبية، ما الواقع البحثي الذي وقفتم عليه من خلال هذه الدورات؟ وما الأثر الذي أحدثته في هذا الواقع؟

الواقع الذي اكتشفته أن حجم الباحثين الجادين من أعيان طلبة العلم، المتفانين في الطلب والبحث، كثير ولله الحمد، لكن المستوى البحثي لهم لا يتناسب مع مستواهم العلمي، فمثلا يكون مستواه العلمي 90% ومستواه البحثي 30% مفارقة كبيرة جدا، ولا ينقصهم من الجدية أو الإرادة أو القدرات أي شيء.

C6rKIfyWYAEOTH2

صورة لبعض المشاركين في دورات مركز دارس.

وسبب هذه المفارقة: غياب النماذج البحثية التي يحاكونها، وندرة الأساتذة المتمرسين على البحث، الذين يأخذون بأيديهم في مراقي البحث، ويصححون أخطاءهم، ويصحبونهم عند عثراتهم، وأخيرا، وهو الأهم، عدم وجود مجتمعات بحثية صحية ينمو فيها الباحث، ويصقل فيها مهاراته.

تقدم الشبكة الفقهية من خلال برامجها المتنوعة فضاءً افتراضيًا للمهتمين بالمجال الشرعي، ما أهمية هذا الفضاء في نظرك، وكيف يمكننا تحفيز الآخرين في التفاعل داخله، خاصة في ظل الجذب الحاصل في مختلف منصات التواصل الاجتماعي؟

هناك طفرة في القنوات الإلكترونية، لكن الذي أشعر به أن الباحثين وطلبة العلم يبحثون عن شخص بشري، إنسان بلسان، يكون له حظ من العلم، فيتداولون معه أطراف الحديث، فالتقنية قدمت كل شيء، الكتب، اللقاءات، التسجيلات، المنصات، طالب العلم الآن لا يبحث عن كل هذا، إنما يبحث عن مذاكرة حية للعلم مع أهله.

ولذا فأتمنى من القائمين على المواقع والمنصات والبرامج، الاهتمام بهذا الجانب الحيوي، فهي الحاجة الملحة التي بات طالب العلم يتلهف عليها.

أود أن أسألك في ختام هذا اللقاء عن اهتماماتك البحثية الحالية، وجديدك القادم.

حاليا، لا أزال في الدورة الأولى من صناعة البحث العلمي، في ماهية البحث، وصفات البحث (في القلب، والدماغ، والجهاز العصبي)، والهمة متجهة إلى استكمال حلقات الدورة في الشهور القادمة بعون الله وتوفيقه، ونتمنى أن تنتهي إلى برنامج عملي مكتمل في صناعة البحث العلمي.

كلمة أخيرة؟

بخصوص مفطرات الصيام، فالشائع اليوم بحث المسائل القديمة بمعزل عن المسائل العصرية، وهذا خلاف صريح الفقه، ينبغي أن تبحث المسائل في كتلة واحدة، في صبة واحدة، كما هي طريقة الفقهاء، فكانوا يدرجون النوازل في صلب تقريراتهم الفقهية في مظانها بدقة، وليس استطرادا أو إقحاما.

الأمر الآخر، مفطرات الصيام تدور على ثلاثة أشياء: الجوف، والمنافذ، وصفات العين المفطرة، إذا تم ضبط هذه المدارات الثلاثة أمكن ضبط جميع مسائل مفطرات الصيام، القديم منها والحديث بدون فرق، إضافة إلى ضبط اتجاهات الفقهاء.