أرشيف الوسم: عشوائية

جميل الحزين

تربطني علاقةٌ ما بالكاتب جميل الرويلي، هي دون الصداقة وفوق المعرفة، كان هذا قبل أكون مجرد معجبٍ بكتاباته، أتابع جديدها وأتداولها مع أصدقائي، كانت في منتدى الساخر، أو في مدونته التي ماتت: وطنٌ أخضر. ثم طاردناه جميعًا مع منشوراته الطويلة على الفيس بوك، ولحقناه بتويتر، وقرأنا مقالاته القصيرة بجريدة الشرق، وأصبحت الآن وحدي من بين أصدقائي أسمع تسجيلاته المميزة على قناته بالتليقرام، أروي ظمأي بإنسانيته المعجونة بصوته البدوي. لكني أعترف بأني أفقد كتاباته الطويلة التي توقف عنها، جميل الرويلي واحد من القلة القليلة من الكتّاب الذين يكتبون وهم يحترمون الكتابة، لا ليرتزقون منها (وهو حقهم) ولا لتطرب آذانهم بمديح الآخرين.

 

“إن لم يكن في القلبِ حزنٌ؛ خَرِب!” (مالك بن دينار).

بهذا الاقتباس بدأ جميل الرويلي واحدةً من مقالاته العذبة التي جمعها في كتابه ذاكرة عشوائية، وهو ليس كتابه الأول، وأرجو ألا يكون الأخير. يعرف من يتابع تغريدات جميل على تويتر، أنه يكتب، بصورة دورية، تغريدة مكونة من كلمتين: أنا حزين!. هكذا فقط، دون تبرير، دون مقدمات، دون تعبيرات مركبة تداولها الحسابات. يرى الرويلي في الحزن قدرةً كبيرةً في تقويم السلوك، وتحسين التصرفات، وفي ترتيب علاقتنا بالأشياء والناس من حولنا، وفي قدرتنا على التعبير والبيان، بل وفي تحريرنا من الأفكار والمشاعر والتجارب التي تعرقل أرواحنا عن مسيرها. ولا شك أن الحزن الذي يكتبه جميل، يختلف عن الحزن التافه الذي قد يدور في أذهاننا، والذي تروّج له مجموعة من الدوائر التي تتحكم في الإنتاج الدرامي والغنائي والإعلامي، سواء كان تافهًا في جوهره، أو تصديقاته، أو مبرراته.

جميل الرويلي يُعيد التقدير والاحترام إلى الحزن، يكاد أن يُعرّف الإنسانَ بأنه حيوانٌ يحزن! فإذا ما أبعدت حياتنا المعاصرة الإنسان عن إنسانيته، وجعلته يتعامل مع ما حوله بطريقة آلية، جاء الحزن ليعيده إلى حقيقته. يقول “الحزن بداخلي، وبداخل من أحبهم، يُعيدني إلى آدميتي بطريقة سحرية؛ فأجدني أفكر بطريقة مختلفة واعتبارات جديدة، لا تكون في بالي حين أكون في المنطقة الرمادية الباهتة الخالية من عنفوان المشاعر، تلك المنطقة التي تقتل القدرة على ممارسة الموهبة، وتحصر في إطار علفي بحت، وتحولني إلى رجل آلي!“. وهو بالطبع لا يقصد مجرد ذلك الحزن الذي قد ينتابنا دون انتباهنا له، بل الحزن الذي نلتفت إليه لنفهمه ونفهم الأشياء على نحو مغاير بعد مرورنا به، فـ”الذئب والأسد والكلب، عندما يصاب أحدها بجرح في جسده، يجلس يعلق جراحه فتنتهي قصة الجرح هنا! لن يفكر الحيوان بأن هناك ثمة ظلمًا وقسوةً وصراعًا ومؤامرةً وخبثًا وخديعةً وخيبةً ولعنةً ونحسًا! وكل الأشياء المثيرة لجنون هاجس إعادة فهم العالم من جديد!” هكذا يفعل الحزن، تقرر بسببه أن تعيد فهمك للعالم.

قد نخوض تجارب مريرةً، تجرحنا في أعماقنا، وحدهم أهل الحزن من يعيدون فهمها على نحو مغاير، يقول جميل: “أجمل ما في الحزن أنه يشعرني أنني بشر، وأنني قادر على أن أبني من جراحاتي قصورًا من المعاني المغايرة لكل شيء عادي، والخيالات والأساطير الشاعرية الخفية التي تبعثها حالة الالتصاق بجوهر التجربة“.

تعقيد حياتنا اليوم يزيد من عدد الأغلال التي تقيدنا، يرى جميل الحزين في الحزن طاقةً هائلةً للتحرر، يلحظها في عبارات محددة تنطق عمّا يجيش في صدور أصحابها، يقول: “الحزن يصنع الرغبة في التحرر، التحرر من الجرح والجارح، التحرر من الأشياء التي تقتحمنا دون إذن منا لتفسد علينا أنفسنا، التحرر من عناصر الحتمية والإرغام، فتسمو الأنفس وينتشر الخيال، وتبرز على شفاه الحزانى مصطلحات راقية مثل: الحرية، النجاة، الخلاص، الماورائية“. حتى خيباتنا الخاصة، تلك التي قد تكون في أعين الآخرين مجرد تفاهات لا تستحق الالتفات، وهي التي قد تجثم على نفوسنا مدةً طويلةً من الزمن، تكسو أرواحنا بالحزن، هي هي من تعيد تشكيل حياتنا على نحو مغاير! “عندما يقتحمك الحزن، فيغصّ حلقك بدمعة تكاد أن تفضحك وكأن كل من ينظر إليك يراها! تحسب أن حلقك قد تورّم من العبرات المحتقنة فيهحتى صار كحلق طائر بحري ابتلع لتوه سمكة أكبر منه! عندما تجثم عليك الخيبة وتشعر بأن حتى الحجارة تقف في طريقك للتعثر بها وحتى الريح تتعمد أن تهبّ لتملأ عينيك وفمك بالتراب، وأن كل شيء في هذا العالم صار يتنكر لك، حتى صوت أزيز باب قلبك الخاوي بات يحاول أن يخيفك بأعلى درجة ممكنة! عندها ستتعلم أن الحزن ((نبع كبير)) لأقوى الدوافع الذاتية للاستقلال والصمود وتمييز الأشياء من حولك وإعادة ترتيب علاقاتك مع كل شيء يخصك!” هذه القدرة الهائلة للتحرر والاستقلال، يلحظها الرويلي في مشهد يعيد تأويله على نحو مختلف، فيقول: “كلما زاد الحزن؛ زادت نزعة السمو على ((القيد والحتمي)) حتى يبلغ ببعضهم أن يعلّق المشنقة لنفسه في سقف منزله أو يطلق الرصاص على رأسه ليتحرر من أقرب الأشياء إليه، جسده وقلبه وحواسه الخمس!“.

يقربنا الحزن من آدميتنا أكثر، نبدو بسببه أناسًا جديرين بالحبّ، ينتبه جميل لذلك، أو ينتبه حزنه ربما، فيكتب: “لا أدري لماذا عندما نتورط بالحزن نصبح أكثر بشريةً وأكثر حميميةً وألفة، ربما لأن الحزن يكسر الكبر والطغيان في نفوسنا!” نحبّ حينها أهل الحزن، نودّ أن نصاب بعدوى الحزن من أرواحهم، أن نغسل درن إنسانيتنا بحزنٍ مشابه، “لأجل ذلك كله، تجد أن في شخصية ((الإنسان الحزين)) بعدًا إنسانيًا خفيًا، وهالةً من المعاني العائمة في بحرٍ كبيرٍ من ((الآدمية)) والشعور والحس والمبدأ. تجد له جاذبية غريبة لو تمعنت لوجدت أنها جاذبية ((النكهة الإنسانية)) في شخصية وملامح ذلك الحزين!“.

 

“كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصلَ الأحزان …” (هند بن أبي هالة رضي الله عنه).